لم يصدف انني قرأت في أي مطبوعة عربية قصائد للشاعرة السورية عائشة أرناؤوط. كنت اعزو الامر حتى فترة قريبة الى انني اعيش في طرطوس، حيث التواصل مع الفعل الثقافي اليومي يحتاج الى جهد كبير لا يتوافر عندي غالباً، فأكتفي بما تحت يدي من صحف ودوريات وكتب. حين اهداني احد الاصدقاء"حنين العناصر"وهو الديوان الخامس للشاعرة السورية عائشة ارناؤوط، لم افاجأ بالاسم طبعاً، فأنا اعرفه منذ اكثر من عشرين عاماً. المفاجأة كانت في ان عائشة ارناؤوط مقلة بالنشر، بحسب كلمة الناشر على الغلاف، اذاً فليس كسلي هو السبب الاول، والمفاجأة الكبرى كانت عندما بدأت بقراءة الديوان، ثم اعدت قراءته مرة وثانية وثالثة، وأنا ارى وأسمع وأقرأ عن البريق الاعلامي الذي يتاح لأسماء عدة، من الاجحاف ان يقارن منجز عائشة ارناؤوط بتجارب هذه الاسماء. كان علي وأنا اقرأ"حنين العناصر"دار كنعان، دمشق ان اشحذ طاقتي المعرفية بكاملها لئلا تهرب مني أي مفردة، بدءاً مما اعرفه من الشعر الجاهلي مروراً بالحلاج وابن العربي ثم رواد مجلة"شعر"من دون اغفال بريتون وسان جون بيرس وإيف بونفوا و... كلهم كانوا موجودين في الديوان، وكلهم غائبون، كأنها امتداد للجميع ولكنها ببساطة تعلن انها قطعت حبل سرتها بيدها ومضت الى نفسها:"البروق/ التي شعت في جسدي/ لا تترك أثراً في نسيج الليل/ قطيع من الوعول يخترق منحدرات/ دون ان اتبعه/ اجتاز الافق". ومنذ البداية، أي منذ تقديمها ديوانها، تبدأ عائشة ارناؤوط بتقديم المفارق للسائد والمألوف، واسطتها في ذلك لغة تختزل بكلمات قليلة وعمق يفيض احياناً كثيرة عن جوهر معناه، كأنها تحاول ان تنحو بلغتها نحو اكثر اماكن الصمت اقتراباً من الكائن الحقيقي، لتعيد هذا الكائن الى العناصر الاولى غير المألوفة في الوجود، فاذا كانت النار والماء والهواء والتراب هي العناصر المشكلة للحياة، فإن"اللامرئي"و"الظل"و"العدم"و"الفراغ"هي عناصرها الجديدة التي منها يتشكل"الصمت"الذي تراه ارناؤوط منبع الشعر الاول، وبالتالي منبع الوجود الذي لا يتحقق عندها إلا بالشعر". لا تريد الشاعرة سوى ان تقدم حنين عناصرها الى شهوة اللغة التي تريدها عارية حتى اقصى حالات القلق والشغف والتلاشي، وتريدها حرة. قطيعتها ليست مع الوجود، بل مع كل ما اضافته الحياة الى هذا الوجود، كأنها تريد بها ان تعود الى الغرائز البدئية، المصفاة تماماً، حيث لا يمكن ان يوجد الشعر الا هناك:"كيف لي ان انتشر في اوار اللامرئي/ وهل سأجدك في أوج الفوضى وخضم الروح؟"، أو:"معك استرجع آلام الخلايا/ خرير مائها/ عمى الروح في حالتها الجنينية". الشعر هو محور حنينها ومحور ديوانها، فهمها له، ارتباطها به، رؤيتها له كمنقذ من فظائع او اهوال العالم:"يتأكسد الهواء حتى الاختناق/ جهالة الصحراء تكبح الأفق/ الاحلام ترتج بإحكام/ لغاتنا تحقن بالمخدرات/ أبحث في بحار الزئبق عن درع مشرعة لحواس اخرى". والشعر بالنسبة الى ارناؤوط لا يمكن ان يغرق في تفاصيل الحياة، حيث الضجيج والذعر والتملك والأقنعة. الشعر، لها، شفاف، صامت، عار، حر كالعدم:"طرزوا لك القماط بزهور الفجر/ وشيت ثيابك بنثار الفجر/ وها أنت تعطر كفنك/ رغم أنك عارياً جئت وتذهب عارياً"، أو:"أنت والعدم/ حرف مشدد/ يسكن اللحظة الهاربة". وهي تعلن انها تخاف على الشعر، توأمها،مما يراد به، كأنها لا تريده إلا حاراً، نظيفاً، مقطراً، يوجد لأجل وجوده فقط، هذا الوجود الذي لا يقبل الانكسار، ولا البرود، ولا استمراء اليقين ولا الثبات، ولا الدخول في لعبة القضايا، صغيرة أم كبيرة:"احذر دخول لعبتهم/ كل شيء يشيخ على رقعة الشطرنج/ حتى جنوح الافكار/ اليك جمرة النرد/ ولنحتفل بنور الصدفة...". وتقول ايضاً:"كل خطوة اخطوها/ تتطلب التخلي عن اليقين". واذا كان الكثير من شعراء الحداثة العربية نحوا بقصائدهم منحى الصوفية، فإنه قلما نجد شعراً انثوياً انثوي هنا للتوصيف وليس لتكريس مصطلح اتجه هذا الاتجاه. لكن"حنين العناصر"يمكن ان يصنف كأحد الامثلة على الشعر الصوفي الحديث، ولكنها الصوفية المختلفة، الصوفية الانثوية التي ترى المعبود في ذاتها، هذه الذات الغارقة في ذوبانها في الفراغ، وقت يكون الموت هو بداية موت آخر، والتلاشي هو احتمال جديد لنفسه، والهدم هو هتك في اللغة لتحقيق اللامعنى، والذات هي الذات نفسها، لا شبيهتها ولا قرينتها، والظاهر هو الطمأنينة واليقين، والوقت المراد هو الباطن حيث الشك والالتباس والاسئلة التي لا اجوبة لها:"هكذا تلتبس علينا ذواتنا بصيغتها المزدوجة/ نفقد تماسكنا بفراغنا البدئي/ نندرج في سجل الظاهر/ عندئذ نقرر الخلود الى الطمأنينة/ متى يبتدئ عري الآنية؟". وتزخر قصائد الديوان بالمفردات الصوفية التي تحيل قارئها الى قاموس خاص لتفسيرها وصب، سمت، ملء زهيد، خلاء غدق، تلاقح الكلمات بالصمت، سرت في رمضائك حتى رقت قدماي، نهلت من دياميسك حتى عري الروح، مهكة الروح والجسد.... تعرف عائشة ارناؤوط بحدسها الانثوي، المميز، انها كشاعرة، معنية بأسئلة الانثى التي تعي كيف تترك لكينونتها، بتلقائية نادرة، ان تناسب في ذات الآخر وان تترك له ان يتبع ذاتها وينغمس فيها، كي يتحقق التكامل الذي يمكنه ان ينظف الذات الحرة من شوائب الأنا المغرقة في نرجسيتها. هذا التكامل يتشكل من تلاحم العناصر التي تفترضها الشاعرة، فمعرفة الذات الاخرى تتطلب التخلص من الجلد واللحم والعظام والاسم والانتماء والسلالة والذرية، وهذا لا يحدث الا في"العدم"حينها فقط تعرف الذات ذاتها، حينها يحدث التلاحم الاخاذ. لا تمكن قراءة هذا الديوان إلا ككل متكامل ومكتمل، وحتى بعناوين القصائد المختلفة، بما فيها قصيدة"إلهيات"التي تشتغل فيها على حروف اللغة العربية، فالقصائد كلها تكاد تكون قصيدة واحدة، والعناوين مقاطع من هذه القصيدة. لا يمكن الحديث عن اللغة بعيداً من المعنى، وعن المعنى بعيداً من المبنى والتركيب، وعن التركيب بعيداً من التخييل، وعن التخييل بعيداً من المفردة، ولا عن كل هذا بعيداً من الثقافة الواضحة في كل كلمة في الديوان. تؤكد عائشة ارناؤوط في"حنين العناصر"ان على الشاعر ان يكون مثقفاً اولاً، كي يعرف ان يتبع قصيدته الى اقصى زوايا اللاوعي، الى منطقة البدء تماماً، حيث الفراغ الكامل، حيث الشعر الحقيقي:"فلنغادر خباءنا ايتها الكتابة الصافية/ الحروف تبرجت اكثر مما ينبغي/ اللغات تنز قطيعة/ القطيعة تنز بالظلمات/ والظلمات تنضح". "قطوف الأيام" "قطوف الأيام - وجوه ومقالات ومشاهدات"كتاب صدر حديثاً عن دار نلسن بيروت للكاتبة نجلاء عقراوي. قدّم الكتاب سليمان بختي معرّفاً بهذه الكاتبة والمربية اللبنانية مواليد 1914 ومما جاء في المقدمة: "تبادر نجلاء عقراوي الى الكلمة بما ملكت، والى الموضوع الأدبي والفني بالدقة والتحليل والانتباه، فتضع المسألة في اطارها، والموقف في سياقه، فلا تضل الكلمة، ولا يضيع المعنى. ولعل هذه المقالات التي كتبت منذ الخمسينات وحتى أوائل التسعينات ونشرت في"صوت المرأة"و"الجامعية"و"الحياة"و"النهار"وجمعت هنا تتعدى مناسباتها لتصبح حوافز لمقاربة شخصيات ووجوه أدبية وفكرية واجتماعية، ومواضيع ومشاهدات تدخل في الحالة الشعورية والنقدية والمسامرة الأدبية، واستجماع الأزمنة، وبما يجعل الكتاب في جوانب منه لقيات وحوادث يفرح المرء بمعرفتها والوقوف عند تفاصيلها. تروي نجلاء عقراوي سيرة الوجوه في شبه"بورتريه"وتجمع الأجزاء لتظهر صورة جديدة انسانية وعفوية ومقطوفة من لوحة الوجود المتحركة. وهكذا نتعرف معها الى جوانب من حياة الأشخاص الذين عرفتهم وكتبت عنهم، فإذا هي مقاطع وفقرات وهنيهات من الحياة تنبض وتستعاد. تكتب عن المؤرخة اللبنانية نجلا أبو عز الدين، ومساهمتها الرائدة في النهضة النسائية العلمية في بلادنا. تكتب عن أدما أبو شديد أول فتاة لبنانية تتخرج في كلية الطب في الجامعة الأميركية عام 1931...".