من بين أسماء نسائية كثيرة، أمكن خلال السنوات القليلة الماضية معايشة تجارب شعرية محددة لعلّها الأهم، في ساحة تزدحم بالتجريب الذي يتطلع دوماً الى تأكيد حضور خصوصية ما لهذا الاسم أو ذاك، أسماء لعل أبرزها هالا محمد، مرام المصري، رولا حسن، وعائشة أرناؤوط، وكلهن من شاعرات "قصيدة النثر"، أي من ذلك الفضاء الأكثر رحابة، والأكثر استجابة لهاجس التجريب، خصوصاً أن هذا التجريب يلتقي - بالضرورة - مع فرادة العقيدة الأنثوية، لمعناها الذي يشير الى استبطان أحلام المرأة، أحزانها، وحسّها الخاص وحسب، من دون أن يمتد الى تقسيمات قسرية موهومة ولا معنى لها بين أدب نسائي وآخر رجولي، وكذلك باعتبار قصيدة النثر فضاء "الموضوعات" الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية، من زاوية ازدحام هذه الحياة بما يثقل وليس بمعنى الغوص في التفصيلات الصغيرة، العابرة بالضرورة. عائشة أرناؤوط، واحدة من صاحبات التجارب المتميزة في "قصيدة النثر" السورية الجديدة برويتها في استقصاء العلاقة بين الذات الفردية والعالم المحيط، إذ تأتي قصيدتها وليدة التحديق المتمهل في كل ما يحيط بها من موجودات، وبكل ما يخطر في الذهن من أفكار وهواجس. هي إذاً قصيدة تتحاور مع الفكرة، تناوشها، وتذهب الى حدّ تأسيس علاقة جدلية، وطيدة وحارّة معها. في مجموعتها الشعرية الجديدة "حنين العناصر" منشورات دار كنعان - دمشق 2003 نقف على تأملات شعرية في الحياة والمكان... تأملات تستحضر صورة الهاجس في الوعي والمخيلة وتستدرجها الى صياغات لغوية تزدحم بالمعنى مثلما تزدحم كذلك باشراقات الصورة المشغولة من بساطة عميقة، لها وقعها وجمالياتها الخاصة: "متى سنكون واحداً؟ متى ستختلط علينا صورنا؟ لنلتقي حقاً؟ الأسئلة تصدأ على مهل على مهل نصدأ نتقعّر نحدودب وعلى مهل نغيب". تجربة عائشة أرناؤوط الشعرية الجديدة في "حنين العناصر" تستفيد من وعي حقيقي بمنابع فكرية كثيرة لعلّ في مقدمها وأهمها المنبع الصوفي، الذي تنجح القصائد في ملامسته من دون أن تتحول الى مناجيات صوفية خالصة، بل هي تعيد هذه الصوفية بتميز وشفافية حين تجسّدها من خلال التعبير عن التوحد مع آخر، يجيء في القصائد بصفته المخاطب دوماً، الغائب - الحاضر، والذي يعني حضوره دوماً حيوية العالم وجدارة العيش: "أسرجت كفني برغوة الأفلاكِ لأموّه انتمائي تعرّيت من فضائي تحت سمت الرموز لأتماثل مع دمار العناصر الآني". وقارئ قصائد هذه المجموعة الجديدة سيلحظ بالضرورة، أن الخطاب الشعري، فيها يأخذ صيغة المتكلم - الراوية، الذي يبوح بشكواه مرّة، أو يتوجه الى آخر موغل في الغياب مرّة أخرى، وهي صيغة تمنح الكلام الشعري التصاقه الأشد بالذات الفردية التي تتجول همومها بين السطور، وهذه الصيغة بانتماء خطابها الى بساطة الخطاب، تقارب أن تكون هجساً بأحداث ما، ووقائع قابلة للقص. انها قصائد تتسلح - غالباً - بالفكرة. فالأفكار في قصائد عائشة أرناؤوط حاضرة دوماً، بل هي كثيفة الحضور، ولكن من دون أن يشكل حضورها ارهاقاً لما في الشعر من سلاسة الجملة أو حيوية الصورة، وبالتأكيد من دون أن تتحول القصيدة الى نوع من "وعي" خالص ينشد "المعرفة" الجافة أو يصل الى تخومها. من الواضح أن قصيدة عائشة أرناؤوط تذهب الى استحضار الأفكار بصفتها ملامسات ذهنية، حسيّة ووجودية لما يدور في العالم المحيط، وما يشكل جوهر العيش مقروءاً من شاشة الوعي الإنساني، الفردي، المثقل بالألم، والمثقل كذلك بفداحة ما يمكن أن تراه عينان على اتساع تحديقهما، حتى ولو وقع هذا التحديق في الفراغ، ذلك أن الشاعرة في تحديقها المتصل، كما في استحضار أفكارها، انما ترى ذلك كله بالمخيلة أيضاً، فتعيد رسمه من جديد: "العري المحض اللحظة الخارقة لحظة استباحة الذات في هلام الوأد الملتبس". ثمة في "حنين العناصر" حضور أفكار تتصل بحياة المرأة، تعبر عنها الشاعرة في قصائد قصيرة، تبتعد عن تعسف قصدية "القضايا"، إذ تصوغها الشاعرة بصور الحياة ذاتها في ما يشبه قصة قصيرة، مكثفة وبليغة: "لم تفكّر بالإنجاب قط ترمش بحارنا بالنور وتتلمظ عبير الكون وعندما تموت تهب أشلاءها لنسل قادم يا للنجوم التي لم تعرف نشوة الحب". مثل هذه القصائد تستدعي التأمل أكثر من القراءة العابرة. فهي بانتسابها الى مشهدية حديثة لها "وقائعها"، تدفع القارئ الى الحوار معها، والى رؤيتها... رؤية ما فيها من عوالم وأفكار على حد سواء، تأمل يسمح للقراءة أن تكون أكثر من مجرد علاقة مع الكلمات والسطور تنتهي سريعاً، قدر ما تؤسس لتذوق جمالي له فرادته.