عن "دار كنعان" في دمشق صدر أخيراً للشاعرة السورية المقيمة في باريس عائشة أرناؤوط كتاب شعري بعنوان "حنين العناصر" وقسمت الشاعرة كتابها إلى مجموعات من القصائد، يندرج كل منها تحت عنوان خاص. والعناوين هذه تدل على مضامين القصائد وهي: هلام المتاهة، اليباب، عارياً جئتَ وتذهبُ عارياً، عبور الحواس، شغاف الأشياء، مخاضات العدم، سمت الكليّ، شفوف يومي، ألهيات. "لك َ ذاكرتان / لهذا تتشابكُ أهدابُ وعيكَ": يبدو ان في حنين العناصر أكثر من ذاكرة للشاعرة. تتشابك الأهداب في أزمان وأزمات مختلفة لتعطي صوراً شعرية ذات خصوصية وعذابات. تبحث الشاعرة عن خلاص ترجوه عبر الشعر، وهذا بحدّ ذاته ليس بالجديد أو المبتكر، لكن المبتكر فيه هو أن تؤنسن الشعر كي تأنس له فتصنع به معاني قصائدها وتروض به وهمها وأحلامها وهمومها: "ربما حلمتُ مرة ً أن أكتب قصيدة / طريةً كعجينٍ فضيٍ بين أصابع أمي/ ربما حلمتُ مرة ًأن أكتبَ كلمة ً/لا مرئية ًكالصمتْ /منفلتة كفكرة طائشةْ / قلقة كقبلة لم تُجرّب بعد / مدوخةً كحافة الهاوية / قاتلةً كوطن مهدور". تنتقل الشاعرة بين الأنا واللاوعي بإيقاع قابل للانكسار، قائم على حافة الظلّ بين الكلمة ومعناها، بين الوعي الخالص ومجرّد متعة البحث عن تأكيد الأنا أو نفيها! في حلقة مفرغة أو ربما مغلقة لا تؤدي في النهاية إلا إلى التنفس برئة العدم، ومداواة الشعر بالشكّّ حيث لا يقين سوى: "اللاشيء يحضن العالم". وتؤكد على اللامكان في اللازمان: "لا تستطيع مغادرة نفسك / وعيك الخالص لا يستنبطه فكركَ / وجودك يتخلل عدمك / أنت َ تتنفس برئة اللاأنت / كنتَ دائماً كموناً في برزخ الكون / قابلاً في كلّ زمنٍ للتحقق في ظلّ". هذه الذهنية الشعرية تستدعي إيقاعها الخاص وأفكارها، خطوة... خطوة ، سطراً... سطراً، لا تنفي ولا تؤكد، من دون حلم أو من دون غاية تهرول إليها: "تتلمس نبضَ الوجود في منطقة الحَدْس / والتباس اللغة". وإذ تفضي هذه الذهنية في البحث أحياناً إلى التقاط مفرداتٍ خبتْ حرارتها لتتحول إلى حامل مباشر لدلالات مباشرة ذات معانٍ ثابتة تفضي إلى الإنغلاق بالقصيدة على حنين إلى عناصر الماضي من دون القدرة على تحريك هذا الحنين باتجاه اللحظة الشعرية الراهنة وحرية العلاقة مع الزمن كلّ الزمن! تقول الشاعرة: "ظلكَ مثخن بالندوب / صورتك تتنازل عنك / فترجل عن هودجك / إنكأ جراح أديمك / استبح الهاوية / وأدغل في الرمضاء ورعاف الدوائر / ثم تعال يا توأمي / وتناول معي / إكسير العدم". وكان صدر للشاعرة أرناؤوط أربع مجموعات شعرية بين الأعوام 1981 و1995. وتعتبر هذه المجموعة استمراراً لبحثها التأملي الإنساني في مختبرها الشعري الخاصّ الذي يتخلله الكثير من المفردات العلمية وصنوف المعرفة التي تسخّرها الشاعرة للتعبير عن ذاتها الموضوعية. بتوازن تصل القصائد إلى نهاياتها، وأحياناً كثيرة تصل النهايات إلى القصائد في سياق شعري مفاجئ ومغامر: "طرّزوا لكَ القماط بزهور الفجر/ وشّيتَ ثيابكَ بنثارة الذهب / وها أنت ذا تعطرُ كفنكَ / رغم أنك / عاريا جئتَ / وتذهب عارياً". تبتعد الشاعرة عن ذاتها مقتربة من الفكرة، فإذا الفكرة لصيقة بها في مكامن التأمل. عن الذات في هذا الوجود تبحث، وعلى الخيبات المتتالية تتعالى، لتستطيع الحفاظ على ذاتها الشعرية كمحرضٍ جوهري على الاستمرار ربما! وعلى الشعر.