لا يسع قارئ قصائد الشاعر اللبناني فادي العبدالله، في مجموعته الثانية "يد الألفة" دار الانتشار العربي، بيروت 2002، بعد مجموعته "غريب وبيده كاميرا"، ان يلاحظ ان الشاعر في المجموعتين يحاول التجريب في كتابته او يحاول الابتكار في معنى من المعاني، وهذا النسق اعتمده الكثير من الشعراء، بعضهم وجد نفسه من خلاله وبعضهم تراجع. فادي العبدالله، في مجموعته الأولى حاول تجاوز "الحماسة" لكتابة الشعر، ولم يكتب الشعر المراهق الذي غالباً ما يسم بواكير الشعراء ويكون التمرد والدم والعنف سند كل باكورة، او هي ما يعبر عن الاحوال الشبابية. فادي العبدالله يذهب أبعد من ذلك. لا يكتب التوليدات اللغوية، بل يذهب في اختبار المعنى، وهو لا ينتج حكماً، بقدر ما يملي علينا الافكار الصغيرة، يكتب الشعر "الجدي" ولا يحاول النكتة او المزاح في عباراته، وهذا من ثمار غوصه في التفلسف، من دون ان يأخذ في الاعتبار جفاف لغته وعدم انسيابها. وعلى رغم هذا يبدو فادي افضل حالاً من بعض مجايليه. هذا البعض يعتمد بشكل مباشر وغير مضمر على "طبخ" شعر الآخرين، من غير مواربة ومن غير ابتكار، او حتى ان بعض هذا البعض الآخر، يذهب الى الاستنساخ في الشعر الذي يولد "مقشراً" من الشعر، وتبدو القصائد تالياً "قيصرية" خارج سياق الشعر والمعنى. فادي العبدالله يلجأ الى كتابة "التوقيعات" الشعرية، تماثلاً مع سيوران ربما، او الافكار على نسق ادونيسي، مع فارق في المبنى والمعنى، او يحاول محاورة مناخات بسام حجار وقاموسه الضئيل من النافذة الى الاثر والغياب واليد، وبالتالي يذهب الى تسويغ المعنى لا الى حبكة القصيدة، وبخاصة في مجموعته الجديدة. فهو من البدء، في مفتتح المجموعة يختار اقتباساً معجمياً من "لسان العرب" تعريفاً لليد، وهذه مرآة لكتابه "التعريفات" في المجموعة، "كل حنين غدار"، وتعبير شعري بالطبع، لكن يصادف ان يكون "حنين غدار" اسم لاحدى الفتيات في بيروت، فيبدو ان العبدالله وظفه في شعره على هذا "الأساس" وهو يجد ان الكتابة لا تحفظ الذاكرة "بل تخلقها". وفي هذا المعنى بيان ضئيل عن مسوغات الكتابة، وما يكتنف ثناياها في الذات. او "الصداقة عقد/ او منحة". وهذه الافكار تحضر بين المشاهد الشعرية العابرة او ما يسمى "اليومية". لا يبدو ان فادي العبدالله، يضع حبكة القصيدة في صلب اهتمامه، فهي مجزأة، وتحمل معاني مختلفة. ومن البدء يعلن. "كل المعاني مصنوعة لنصالح بين الكلمات" ... "تلك التي نسيتها الأحرف عندما حاكت خيوطها". لكنه يجد أن كل تأويل "وهم بوهم" والجملة الموضوعة بين قوسين هي من اعمال المتصوف ابن عربي، وهي متن "كتاب الرمل" لبسام حجار. في مفتتح المجموعة نقرأ "اليد الكف" من لسان العرب وفي النص الشعري، نجد الكف مسبوقة بالحذر "لا تمس شيئاً/ فالكف هوة فاغرة" كأن الكف مرآة العالم، الكف لها معان وتأويلات، فالشاعر يهدي كتابه الى رانيا لما "لها من أيد" ونقرأ كذلك في النص "اليد/ كثيرة كثيرة مشرعة/.." بينما يدا المرأة "ذاكرة/ ماذا لو كان/ حلماً". يختار العبدالله من إيماءات اليد، اليد الالفة، التي تتوزع الى ايماءات. فترحاب شخص بشخص عادة يكون من خلال وضع الكف في الكف، وهذا من عقد الصداقة المتبع في النسيج الاجتماعي. والالفة بين حبيبين من مظاهرها وضع اليد في اليد. الالفة على هذا النحو تكون الحب، او من علامات المحبين وشوقهم، او من معجمهم الحياتي، على ان العبدالله يظهر من خلال قصائده وأفكاره شوقه الى الألفة وحاجاته إليها. وهي التي تتغير اطيافها بين اوقات ولحظات، بين الحضور والغياب بين الفراق والبعاد، بين النظرة واللقاء: "نحتاج النساء منذ الصغر/ ... كي نطل على العالم/ عن كثب ..."، لكن مسوغات اللقاء والحديث والحضور تكون متبوعة بما يفضيه الغياب من معانٍ. "وكان عليّ ان اعاين غيابك/ ان اصدق انك ما عدت شيئاً". لكن القول الأنفذ لصاحب "يد الالفة" هو "جسد المرأة/ طاحونة هواء". لا نجد الشاعر يحارب طواحين، كما في رواية سرفانتس الخالدة "دون كيشوت" مقدار ما نجد الشاعر يبحث عن هذه الطاحونة التي يحاول تأملها. لكن هذا الأمر مشفوع بالسؤال: "وما نقول وقد فقدنا اللغة؟". كان الشاعر، يرثي البطء، في زمن الحب، زمن الابيض والأسود، والعالم الذي "يغادر ألفته". رسالة العبدالله الى العالم مثل رسالته "الى النافذة" التي تكشفها الحياة من ثغرات "الأباجور" والتي يذهب الشاعر الى أنسنتها، فهي الى كونها "تحب ان تسرّب بعض النور الى الخارج"، وهذا من صنو العاديات، لكنها تكتم ما تشهد، انها "الأمينة" وال"فخورة بوفائها". لا يبدي فادي العبدالله اهتمامه بالحيز المكاني. تحضر الغرفة ولا تحضر، ويحضر الشارع قليلاً ولا نجده، ونقرأ عن النافذة ولكنها تكون مقفلة على اكاذيبها الحياتية والشعرية. يبقى العبدالله ضمن دائرة الاهتمام بالشحن الجسماني عن الجسد والنظرات والأحاسيس، في تجربة لا بأس بها في زمن لم يعد المرء يفتش عن التجريب مقدار ما يشغف للشعر.