انتخابات رئاسية غير حاسمة، لكنها ساخنة. هذا ما يوحي به المشهد السياسي في مصر غداة التعديل الدستوري الذي فرض شروطا مشددة للترشح في الانتخابات اعتبرتها أحزاب المعارضة"مانعة"أو"تعجيزية". فهي لن تؤدي إلى حسم التغيير الذي بات مفتوحاً بشكل لا سابق له منذ 1954. ومع ذلك سيكون لها أثر كبير في تحديد بعض معالم طريق التغيير خلال فترة الانتقال التي تمر فيها مصر الآن. فالتغيير الذي يحدث منذ مطلع العام الجاري، ويخلق سيولة غير معتادة، ينبئ بأجواء ساخنة تحيط الانتخابات الرئاسية، لكنها لا تتعلق بها بشكل مباشر بقدر ما ترتبط بالانتخابات البرلمانية التي ستبدأ بعدها بشهرين في تشرين الثاني نوفمبر القادم. فقبل أن تنتهي الرئاسية، تكون ظهرت مقدمات البرلمانية، التي يرجح أن تكون ملتهبة. وهذا وضع يزيد ارتباك نخبة الحكم وحزبها، خصوصا في غياب"مطبخ"سياسي يدير عملية الإصلاح ومشكلاتها وينسق بين مجموعات عدة تعمل واحدتها بمعزل عن الأخرى. وتبدو هذه النخبة مهددة بالعزلة بعد انفرادها بصوغ التعديل الدستوري الذي أحبط المعارضة لفرط شروطه المشددة. وهي مهددة، تحديدا، بفقد زمام المبادرة الذي امتلكته بموجب مبادرة الرئيس مبارك لتغيير طريقة اختيار رئيس الجمهورية، فيما بات عليها عبء اثبات صدقية أول انتخابات رئاسية في ظل تحفظ واسع على طريقة إجرائها. وكان أكثر ما خسرته التقارب الذي حدث بينها وبين أحزاب المعارضة المشروعة في مواجهة المعارضة غير المقننة، الجديد منها كفاية والقديم الإخوان. فقد رفضت الأحزاب المشروعة، خصوصا أهمها التجمع والوفد والناصري التعديل رغم أنه استثناها من الشروط المشددة للترشح في الرئاسيات، لكنه ألزمها بشروط تمنع مشاركة أي حزب في الانتخابات التالية ما لم يحصل على 5 في المئة من مقاعد مجلسي البرلمان. لكن إذا كان وقف هذا التقارب يضر نخبة الحكم وحزبها ويهددها بعزلة، فقد أدخل أحزاب المعارضة في مأزق كبير متعدد الجوانب، وهو ما لم يتخيله أي من قادتها قبل أن يفاجئهم التعديل الدستوري دون أي تشاور معهم، رغم أنهم شركاء الحزب الحاكم في حوار وطني ممتد منذ شباط فبراير الماضي. ومثلما كان التعديل مفاجئا للمعارضة، فاجأت هي نخبة الحكم بموقف عاصف حتى أن أحد قادتها وصف التعديل بأنه"اغتيال للحياة السياسية"، واعتبره آخر مؤديا إلى انتخابات شكلية هي والاستفتاء سواء، بل ذهب ثالث إلى أن الاستفتاء أفضل من انتخابات يُلزَم الراغب بخوضها بالبحث عن 250 يؤيدونه من بين أعضاء المجالس المنتخبة التي يهيمن عليها الحزب الحاكم. غير أن هذا الموقف الغاضب، الذي قد يبدو لوهلة مبالغاً، لأن أحزاب المعارضة مستثناة من هذا الشرط، إنما يعبر عن مأزق تاريخي وضعتها فيه نخبة الحكم لتعاني معها تداعياته التي قد تهدد بانتقال زمام المبادرة إلى قوى المعارضة التي لا يسمح لها النظام حتى الآن بأن تكون جزءًا منه. فلم تجد أحزاب المعارضة المشروعة في التيسير الذي فرضته لها نخبة الحكم في الانتخابات القادمة ما يفيدها لأنها تعتبر هذه الانتخابات محسومة سلفا لمصلحة الرئيس مبارك، فيما يبدأ التعسير عليها اعتبارا من أول انتخابات رئاسية تتوفر فيها فرصة لتنافس حقيقي. كما أن هذه الأحزاب تواجه مشكلة تتعلق بالطريق الذي تسلكه في فترة الانتقال الصعبة في مصر. فاستمرار التقارب مع الحزب الحاكم، من دون أن يسمح لها هذا الحزب بمشاركة حقيقية، وفي ظل منهج"خطوة للأمام، خطوة للوراء"الذي يتبعه، يهدد صدقيتها ويضعف مركزها أمام قوى المعارضة الأكثر راديكالية التي تزاود عليها، بل ربما يعطي الرأي العام انطباعا بأنها تقبل الدنية ولا تحرص على كرامتها. ويعني ذلك أنها ستكون معرضة لفقد بعض أنصارها فضلا عن حرمانها الحصول على نصيب في الفئات التي ستدخل حلبة المشاركة السياسية في الفترة القادمة من باب التطلع الى التغيير. فليس هذا وقت الذوبان في النسق القديم الذي يزداد الاعتقاد في أنه قيد التغيير، خصوصا إذا لم يكن متاحا لها المشاركة في بناء نسق جديد عبر برنامج إصلاح جدي. غير أن لهذه الأحزاب مصلحة مباشرة في المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة لاستثمارها في بناء رصيد لها في الانتخابات البرلمانية التي ستعقبها مباشرة، ولكي تكون حاضرة في قلب حدث سيكون له أثره في ما يليه من أحداث. ولكن الأرجح أن قادتها الذين كانوا راغبين في الترشح يفضلون وجود عدد كبير من المرشحين بحيث لا تكون المنافسة محصورة بينهم وبين مبارك، فيما تحول الشروط المشددة دون وجود أي مرشح مستقل عن الأحزاب. وهم يفضلون وجود عدد أكبر من المرشحين حرصا على الشكل العام لأحزابهم عند إعلان النتائج. صحيح أن هذه النتائج ليست ما يعنيهم في المقام الأول، وإنما الفرصة التي ستتيحها الحملة الانتخابية لترويج أحزابهم استعدادا للانتخابات. لكنهم يضرهم، في الوقت نفسه، أن يأتوا في المؤخرة. ففرق أن يأتي مرشحا حزبي التجمع خالد محيي الدين، والوفد نعمان جمعة، مثلاً، ثانيا وثالثا، أو ثالثا ورابعا، وبعدهما سبعة أو ثمانية مرشحين آخرين، وبين أن يكونا في ذيل القائمة. وهذان الحزبان هما اللذان كانا أبديا استعدادا لخوض الانتخابات الرئاسية قبل أن يفاجئهما التعديل الدستوري فيحبطهما. وربما يكون السيناريو الأسوأ لديهما ترشح رئيس حزب الغد الحديث النشأة الذي لم يكمل عاما واحدا، أيمن نور، ويتفوق على مرشحيهما اللذين يتذيلان، في هذه الحال، قائمة المرشحين. وهذا احتمال ليس بعيدا بعدما أدى توقيف نور في كانون الثاني يناير الماضي إلى ازدياد شعبيته في أوساط المستائين من أداء النظام. وبات لدى هؤلاء ميل متزايد إلى تأييد الأكثر جرأة في معارضته. ولم يكن نور بينهم قبلاً، لكنه صار في مقدمهم بعد توقيفه الذي كسب منه سياسيا ما كان مستحيلا أن يكسبه في سنوات طويلة من دون هذا الإجراء. ولم يكن هذا الخطأ الوحيد ولا الأخير الذي يدل على مأزق نخبة الحكم. فهي تبدو حتى الآن أسيرة تجربتها التي عوّدتها أن تلعب وحدها في ملعب بلا شريك او منافس. وحين اضطرتها المتغيرات الى اللعب في ملعب نزل فيه آخرون، بدت فاقدة خبرة التنافس فأخذت ترتكب أخطاء فاولات حتى تجاه الأحزاب التي كانت اقتربت منها في مواجهة المعارضة غير المقننة الأكثر راديكالية. فالتعديل الدستوري أخاف هذه الأحزاب فأبعدها على الأقل إلى حين تدبّر أمرها واعادة قراءة الموقف والموازنة بين خسائر تتوقعها في حال مشاركتها ومكاسب تريدها من جراء هذه المشاركة تمهيدا للانتخابات البرلمانية الأكثر استعصاء على التدخلات الإدارية لمصلحة مرشحي الحزب الحاكم. ولذلك فالمتوقع أن تؤدي إلى تغيير ملموس في تركيب البرلمان القادم. وبالرغم من صعوبة توقع مدى هذا التغيير، فالأرجح أن نصيب الحزب الحاكم في هذا البرلمان سيقل عنه في البرلمان الحالي الذي يمثل قرابة نحو 90 في المئة من عضويته. لذلك فالأرجح أن تكون هذه الانتخابات البرلمانية خطوة مهمة في المرحلة الانتقالية لمصر وفي تشكيل معالم مرحلة جديدة تختلف التقديرات بشأن طابعها واتجاهها، لكن يوجد اتفاق واسع على أن التغيير الذي يحدث الآن يقود إليها.