الفرصة التي برزت بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات، وانتخاب محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية، والموافقة على خطة شارون لفك الارتباط، بدأت تتبدد بتسارع. وما لم يتم بذل جهود مكثفة خلال الشهور القليلة القادمة لاستئناف المفاوضات حول تسوية نهائية ودائمة للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، فمن المحتمل أن يغلق الباب بقوة على خيار الدولتين القابل للتطبيق. ابتدأ 2005 بفترة نشطة ومهمة بعد أربع سنوات من الجمود القاتل. فالرغبة في التغيير جاءت من الشعبين: أغلبية كبيرة في فلسطين وإسرائيل تعبت من العنف العبثي الذي لم ينتج عنه أي أمن أو ازدهار. وأعداد الذين يوافقون على حل الدولتين تتزايد، هذا الحل الذي كان الأساس لكل محاولات التوصل إلى حل إلى يومنا هذا. وفي الحقيقة، وفيما يبدو تجاوباً مع مقترحات الرئيس كلينتون ومحادثات طابا وخريطة الطريق والمبادرة العربية للسلام ووثيقة جنيف التفصيلية، أصبح هناك إجماع واسع على أن هدف الفرصة المتوفرة الآن هو إنهاء الاحتلال ومتابعة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل. وآلية تحقيق هذا الهدف هي المفاوضات الشاملة المؤدية إلى اتفاق على قضايا الوضع النهائي وإنهاء النزاع بشكل رسمي. إلا أن القليل تم عمله لتشجيع هذه الرؤية أو لشحذ أدوات تحقيقها. فالإمكانية المتأصلة في هذه الفرصة المحدودة المتاحة اليوم قد حكمت عليها خطة فك الارتباط من غزة بركنها جانباً"فخطة الإنسحاب هي تصرف من طرف واحد، من قبل الحكومة الإسرائيلية، والتي بالرغم من أنها تشكل سابقة للانسحاب من مناطق محتلة وتفكيك المستوطنات، تسعى إلى القفز فوق القضايا الرئيسية والجوهرية في النزاع. مكبلاً بالخوف من التأثير بشكل عكسي على عملية الانسحاب، أخفق المجتمع الدولي، وبالدرجة الأولى الولاياتالمتحدة، إلى الآن في التعامل مع السؤال الاستراتيجي: كيف يمكن ربط الانسحاب من طرف واحدة بالمفاوضات الدائرة. فقد ذهبت أدراج الرياح المناشدات التي صدرت عن السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعاني من توترات داخلية وإحباط متزايد وتحديات متزايدة لسلطتها من داخل السلطة نفسها ومن حماس ومعسكر السلام الإسرائيلي، الذي يعاني من اختناق حاد، لتفعيل خطة نشطة تتعامل مع اليوم الذي يلي الخروج من غزة. هذا التأخير قد يثبت أنه قاتل لسببين واضحين: في منطقة كل شيء فيها متحرك، قد تحدث أشياء كثيرة سيئة. وفي غياب خطة استراتيجية لتجديد العملية السلمية، فإن المزيد من التغييرات على الأرض قد تجعل إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة متصلة ونشطة غير ذات جدوى. آرييل شارون دخل هذا المسار باستراتيجية شاملة تهدف إلى تركيز سيطرة إسرائيل على أجزاء من الضفة الغربية بما فيها التجمعات الاستيطانية الكبرى والترويج لدولة فلسطينية ممسوخة تتكون من جزر متناثرة - وهي رؤية بعيدة كل البعد عن تلك التي تلفّظ بها جورج دبليو بوش في حزيران يونيو 2002. مبدأ شارون الذي بدأ يظهر، يعتمد بمكر على المرحلة الثانية من خريطة الطريق التي تنادي بدولة فلسطينية لا سابق لها في التاريخ لها حدود مؤقتة كمرحلة انتقالية في الطريق إلى تسوية دائمة. لكن شارون لا يظهر أية علامات للتخلي عن توجهه الأحادي أو والانتقال إلى اتفاق الوضع النهائي. الحقيقة انه، وبحرف انتباه منتقديه في الداخل والخارج بمهارة، يقوم بتحويل مفهومه للقدس الكبرى الذي يستبدل فكرة أرض إسرائيل الكبرى التي ظهر بوضوح أنها غير ممكنة بسرعة على أمر واقع. ومن خلال سلسلة من الإجراءات المستعجلة والمتسارعة بما فيها إتمام جدار الفصل، وتطوير ممرE1 الذي يصل معاليه أدوميم بالقدس، وإنشاء سلسلة من الطرق والأنفاق التي تقسم الضفة الغربية، فإنه يسعى إلى تقرير الحصيلة السياسية وحده. لذا فإن هناك الآن تفسيرين متصارعين لمعادلة الدولتين: نسخة شارون المعدلة والتي لا تقدّم أي وعد بإنهاء النزاع وقد بدأت تتشكل ملامحها الأساسية بشكل متسارع، والرؤية القائمة على التفاوض والتي يحتضنها المجتمع الدولي والقيادة الفلسطينية وغالبية الشعب الإسرائيلي. لم يتبق سوى القليل من الوقت لتحويل المسار ومواجهة التحديات التي تفرضها الفجوة المتنامية بين الوعد بالتوصل إلى اتفاق دائم وحقائق متغيرة على الأرض، بين التطلعات الشعبية والقادة المترددين إن لم يكونوا متمردين شموسين، بين إلحاح اللحظة الراهنة وإجراءات الأمد الطويل، وفي نهاية المطاف بين النجاح والفشل الذي يرافقه العنف المتجدد. البديل المنطقي الوحيد للأحادية المتأصلة في الاتجاه الحالي هي إستراتيجية منسقة محسوبة بدقة ترتكز على العودة إلى طاولة المفاوضات. العنصر الأول في إستراتيجية كهذه وقائي: فهي تنادي بجهد فوري ونشط من قبل المجتمع الدولي لتجميد المبادرات الإسرائيلية حتى لا تضرّ بالمباحثات المستقبلية. والعنصر الثاني إيجابي: ويتضمن تحديد موعد محدد لمؤتمر فلسطيني إسرائيلي برعاية دولية إما الولاياتالمتحدة وحدها أو اللجنة الرباعية أو تحالف من المشاركين الدوليين والإقليميين في خريف هذه السنة مع توجه نحو الموافقة على جدول زمني لبدء المفاوضات على كافة القضايا المعلقة. المكون الثالث تحسيني: تشجيع لقاءات متعددة الكمية هنا جوهرية بشكل مباشر أو غير مباشر - بين الفلسطينيين والإسرائيليين للبدء بإزالة طبقات العداء وانعدام الثقة، وتحسين المناخ خلال فترة تتسم بأنها، على وجه التحديد، مشحونة. الجزء الأخير من الاستراتيجية المطلوبة ابتكاري: إطلاق سلسلة من الاجتماعات المبدئية لوضع جدول أعمال لمحادثات الوضع النهائي وقد يجوز إعادة تأطير قضايا الحدود والقدس والمستعمرات واللاجئين، حسب خطوط مختلفة بهدف خلق خطاب جديد. ويجب أن تتضمن اجتماعات المسار الثاني هذه قادة المجتمع المدني إضافة إلى الممثلين الرسميين حتى يتسنى توسيع دائرة اللاعبين وزيادة احتمالات الشفافية وضمان مشاركة الرأي العام في الحوار وإطلاعه عليه. الوقت، بالتأكيد، بدأ ينفد، ليس فقط بالنسبة لخيار الدولتين وإنما كذلك بالنسبة لآمال معظم الفلسطينيين والإسرائيليين وتوقعاتهم. ولا يمكن إلا لعملية إنقاذ جماعية ترتكز على استراتيجية متعددة الجوانب ومجموعة متعددة المستويات من اللاعبين أن تعكس الاتجاه الذي يهدد بنسف استقرار المنطقة بشكل شامل وتعريض مستقبل جميع المعنيين. وما زال الأمر في يد هؤلاء الملتزمين بسلام عادل لاتخاذ الخطوات الضرورية الآن لتحقيق ذلك. إن البديل لحل الدولتين القابلتين للحياة عن طريق الاتفاق أمر مخيف يعجز اللسان عنه. - نعومي خازان أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس وعميدة كلية الاجتماع والسياسة في الكلية الأكاديمية بتل أبيب - يافا. هذا المقال جزء من مسلسل ينشر بالتعاون مع خدمة Common Ground الإخبارية.