أضحى النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني سجيناً لاستطلاعات الرأي العام والذين يتلاعبون بها. ويجري توظيف نتائج الاستطلاعات، مرة تلو الأخرى، لتبرير عدم التحرك قدماً والسياسات غير المقنعة، والترويج للهروب مما يجب القيام به، أو الإبقاء على الشلل السياسي. هذا الدور الخبيث المتقلّب للرأي الشعبي يظهر حقيقة مستخدميه ومن يسيئون استخدامه أكثر مما يظهر موقف أغلبية الناس المشاركين في الاستطلاعات. قلّة هم الذين لا يقرّون بحقيقة أن الجمهور الإسرائيلي يتقدم كثيراً على موقف قيادته ونحن نقف اليوم عند مفترق طرق حاد يلي فك الارتباط. خلال السنة المنصرمة أعربت غالبية متنامية ثابتة أنها تفضل حلاً تفاوضياً للنزاع. ف 60 في المئة يؤيدون التفاوض على تسوية دائمة 85 في المئة حسب استطلاع مشترك أجراه معهد ترومان للبحوث والمركز الفلسطيني للسياسة وبحوث الاستطلاع في آذار/مارس 2005"66 في المئة حسب استطلاع ماركت ووتش بتاريخ 28 آب/أغسطس 2005"75 في المئة استطلاع لبانوراما ? السلام الآن هذا الشهر"وما بين 51.7 في المئة و61.6 في المئة حسب مؤشر السلام الذي يصدره دورياً مركز تامي شانيمتز التابع لجامعة تل أبيب. رغم تعرض الكثير من الإسرائيليين منذ تداعي عملية أوسلو قبل خمس سنوات إلى الإدعاء المحبوك جيداً بأنه"لا يوجد أحد نتفاوض معه ولا شيء نتفاوض عليه"، ما زال نصفهم تقريباً 46 في المئة يعتقدون أن هناك شريكاً له مصداقيته على الطرف الآخر. فاستطلاعات مؤسسة ترومان ? المركز الفلسطيني للسياسة وبحوث الاستطلاع تظهر أن 70 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أنه من الممكن الوصول إلى اتفاق مع القيادة الفلسطينية الحالية. ما يدل على ذلك أن ثلثي الإسرائيليين يدركون أنه ستكون هناك دولة فلسطينية، والغالبية توافق على الخطوط العريضة لاتفاقية الوضع النهائي التي رسمت ملامحها وثيقة جنيف إذا ما أريد إنهاء النزاع. 59 في المئة من الإسرائيليين و60 في المئة من الفلسطينيين الذين تم استطلاعهم قبل شهور قليلة يدعمون خريطة الطريق وهدفها في تحقيق حل الدولتين القادرتين على الحياة. كما أن 73 في المئة من الإسرائيليين مقتنعون بأن الانسحاب من غزة لا يعدو كونه خطوة أولى في سلسلة من الانسحابات التي ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة جنباً إلى جنب مع إسرائيل. لذا فهناك إجماع واسع وراسخ في إسرائيل - ينعكس إلى درجة واسعة على الجانب الفلسطيني - حول تحقيق هدف الدولتين، وإعادة إحياء آلية المفاوضات وتحقيق الهدف النهائي بالتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين يصل إلى أكثر من 80 في المئة في المجتمعين. إذا لم تكن المشكلة تردداً لدى الجمهور، فما هو السبب إذاً وراء التردد الذي يصل درجة الشلل الذي يميّز السياسة الإسرائيلية الحالية؟ التفسير الأكثر وضوحاً يقبع في عالم اللعب على العواطف. فقد تبنى الإسرائيليون والفلسطينيون روايتين متناقضتين مبنيتين على أرضية من انعدام الثقة والحدّة والتشاؤم والشك المتبادل. ورغم أن كلا منهما منفتح على التغيير إلا أن هناك شكا جديا بمدى استعداد الطرف الآخر. ونتيجة لذلك أضحوا متعبين فاتري الهِمّة مؤمنين بالقضاء والقدر. ولا يرى سوى 47 في المئة من الإسرائيليين بأن النزاع سيتم حلّه خلال السنوات القليلة المقبلة، بينما يرى 36 في المئة منهم أن ذلك لن يحدث خلال فترة حياتهم. وراء هذا الوهن الشامل تقف قيادة يدفعها الذعر أكثر مما يدفعها التصميم السياسي. فرغم القيادة البارعة لدفة السفينة التي أظهرها أرييل شارون عبر الانسحاب من غزة وما بعد ذلك، لم يُظهر، لا هو ولا منافسوه الرئيسيون، أية رغبة في البناء على المشاعر السائدة لتشجيع أي تحرك مهم باتجاه حل شامل للنزاع. فهؤلاء القادة الذين يستطيعون حشد دعم انتخابي واسع يفتقرون إلى الشجاعة للتحرك قدماً، بينما هؤلاء الذين يملكون البصيرة لعملية سلام ذات وزن يخسرون في الاختبار الشعبي لأشخاصهم. النتيجة الجوهرية هي أنه لا يوجد أحد في المشهد السياسي اليوم هو إما على استعداد أو قادر على استغلال الفرصة لتحويل فرصة ما بعد الانسحاب إلى استراتيجية سلام ملزمة. هذا الفراغ القيادي يمكن رؤيته هيكلياً في الفراغ بين التيارات الشعبية والأطر الحزبية القائمة. فالحزب الحاكم ليكود ما زال واقعاً في شرك صدمة ما بعد الانسحاب. ورئيس الوزراء مستمر في الاعتماد على معارضة غير قادرة على حشد الأصوات الانتخابية لمتابعة سياساتها التي تؤمن بها. كما أن احتمالات إعادة تشكيل واسع النطاق، إذا وضعنا التخمينات جانباً، لخريطة الأحزاب في إسرائيل ضعيفة جداً بالتأكيد. الإسرائيليون متفقون على رسالة مشرقة مليئة بالأمل تبحث بيأس عن حامل رسالة ملتزم وله مصداقية يستطيع إرساء قواعدها. أي مرشح لمنصب رئيس الوزراء في السنة الانتخابية هذه يستطيع الاستفادة من تلك الدينامية الداخلية بينما يستنجد بالمزيد من الانغماس الأميركي في الترويج لاتفاقية لها حظ في النجاح بدعم من 55 في المئة من الجمهور الإسرائيلي. إن الدرس الرئيسي للشهور الماضية ما زال بانتظار توضيحه بشكل أفضل. بدلاً من التشريح المستمر لما يتوجب على الحزب أن يفعله أو ألاّ يفعله، يتوجب على القادة الإسرائيليين ونظرائهم الفلسطينيين كذلك التوقف عن اختلاق الأعذار، وعليهم السير وراء مشاعر الناخبين المثيرة للانتباه والمفيدة. فقد أظهروا أنهم يريدون، وسوف يدعمون، المزيد من التقدم نحو سلام عادل ومستدام. - نعومي خازان أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس وعميدة كلية الاجتماع والسياسة في الكلية الأكاديمية بتل أبيب - يافا. ينشر هذا المقال بالتعاون مع خدمة Common Ground الإخبارية.