أن تحفر كهفاً في الصخر بيديك، أمر صعب أن يتخيل المرء عمله على أعتاب القرن الواحد والعشرين. ولكن أن تقرر السكن في هذا الكهف وإنجاب أطفالك فيهم وتربيتهم، وأن تجد من يحاول اقتلاعك بكل الوسائل المتاحة من مغارتك - بيتك منذ عشرات السنين والادعاء أن ملكية هذا المكان تعود اليه، فهذا ما يصعب استيعابه. المفقرة واحدة من ثمانية تجمعات سكنية خِرَب حيث يعيش أكثر من 700 فلسطيني في كهوف حفروا معظمها بأيديهم فيما يعود تاريخ حفر الباقي الى زمن الحكم التركي للبلاد، في سفوح جبال الخليل الجنوبية التي يصعب الوصول اليها الا بسيارة جيب أو على ظهر دابة. وفي نظر محمد حسن حمامدة 58 سنة وغيره من المواطنين في هذه المنطقة التي لا يصل اليها ماء أو كهرباء، فإن الكهف الذي حفره بيديه وشهدت جدرانه السود بفعل دخان "الكوانين" الصرخة الأولى لكل من أبنائه الثمانية وستة من أحفاده "أفضل من قصر". ويستهجن" أبو حاتم" أن تسأله لماذا يعيش في مثل هذه الأوضاع؟ ويجيب رافع الحاجبين تعجباً "هنا أعيش بالقرب من أرضي التي ورثتها أباً عن جد، أحرثها وأرعى الماشية وأحميها من المستوطنين اليهود الذين يتربصون بها ويستولون عليها شبراً بعد شبر". ويضيف: "نحن أصحاب أرض حقيقيون، لن نغادرها، أياً يكن الثمن، وبالنسبة إلينا نحن في رغد العيش". يعيش "أبو حاتم" في المفقرة مذ كان في الثانية من عمره، عندما انتقل والده من بلدة يطا جنوب الخليل الى هذه المنطقة للبقاء قريباً من أرضه وماشيته. ومذ ذاك فضل "أبو حاتم" حياة الكهف والمغر على حياة البيوت الاسمنت، وهو يؤكد أنه اذا أرغم على الخروج منها "فسيكون ذلك نهاية حياته على هذه الأرض". ويواجه سكان الكهوف من الفلسطينيين خطر اخلائهم من أراضيهم وبيوتهم التي عاشوا فيها منذ عقود، لأن اسرائيل قررت "إزاحة" الخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة الغربية واسرائيل خمسة كيلومترات الى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، عام 1967، وضمها الى الدولة العبرية. وتقع المنطقة التي يعيش فيها هؤلاء في ما تعتبره اسرائيل جزءاً من "العمق الجغرافي الاستراتيجي" للدولة العبرية، إذ تبعد هذه الجبال أكثر من خمسة وعشرين كيلومتراً عن الحدود الأردنية. "الاقتلاع" معاناة أهل المنطقة بدأت عملياً عام 1997 حين وصلت مجموعة من المستوطنين اليهود من مستوطنة "ماعون" القريبة لإقامة مستوطنة جديدة تحمل اسم "مزرعة ماعون"، في اطار الدعوة التي أطلقها في حينه وزير الخارجية الاسرائيلي ارييل شارون الى المستوطنين، للسيطرة على مرتفعات الضفة الغربية وتلالها. وقررت حكومة ايهود باراك العمالية في تشرين الثاني نوفمبر 1999 ازالة بعض هذه المواقع الاستيطانية في اطار صفقة مع زعماء المستوطنين تبقي نحو 40 موقعاً استيطانياً جديداً لم تكن "مزرعة ماعون" منها. وفي مقابل اخلائهم التلة، طالب المستوطنون بإخلاء سكان المفقرة وغيرها من الخرب الفلسطينية. وبالفعل دهم الجيش الاسرائيلي الكهوف وأغلق أبوابها بعدما عاث فساداً في محتوياتها وصب الزيت على الطحين وخلط القمح بالشعير وحمّل الأغنام والخراف في شاحنات كبيرة تابعة للجيش ونقلها الى قرى بعيدة من المكان واعتقل من رفض مغادرة بيته. وقدم السكان بواسطة مركز "بتسليم" الاسرائيلي لحقوق الانسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة، التماساً الى المحكمة الاسرائيلية العليا أبرز فيه الفلسطينيون وثائقهم التي تؤكد ملكيتهم الأرض وعيشهم فيها منذ ما قبل اقامة دولة اسرائيل عام 1948. وقبل أيام، أصدرت المحكمة الاسرائيلية قراراً بإعادة السكان الى بيوتهم الى أن تنتهي "لجنة حيادية" من اعداد تقرير يوصي بوجوب بقاء الفلسطينيين في أراضيهم أو ا خلائهم منها، على أن تقدم تقريرها خلال شهرين من تشكيلها. لم ينتظر، أبو حاتم ورفاقه اليوم التالي، وعادوا في اليوم نفسه الذي صدر فيه قرار "العودة الموقتة" وفتحوا بيوتهم التي أوصدها الاحتلال، وأقام لهم سكان الخرب المجاورة احتفالاً كبيراً انتهى بتناول غداء دسم يوافق المناسبة. "ايتمار أبو المعزة" وما أن وصلت عائلة أبو حاتم والعائلات الأخرى الى منطقة سكنها، حتى فوجئت بوجود خيمة كبيرة أقامها عدد من المستوطنين اليهود ليس بعيداً من كهف "أبو حاتم". والمستوطنون الذين يسهر الجيش على راحتهم وإيصال المياه اليهم أحضروا "ست عنزات، يتولى أحدهم، واسمه ايتمار، رعيها في البقعة نفسها حيث ترعى ماشية "أبو حاتم". منذ عودة السكان لم تتوقف مضايقات المستوطنين، لهم ومحاولات ترعيبهم، تارة باطلاق الكلاب نحو اطفالهم وطوراً بالتهجم على السكان وأمرهم بمغادرة المنطقة "لأن هذه أرضنا، أرض اسرائيل وعليكم الرحيل". تعود الناس كلام "ايتمار أبو المعزة" - يسمونه ضاحكين - ذي الشعر الطويل الذي يؤكد الجميع أنه يعمل في جهاز الاستخبارات الاسرائيلية "شاباك"، أو أن الجيش يأتمر بالمستوطنين، إذ أن جنوده ينصتون الى ما يقول ويصادرون بطاقات هويات من يريد هو، أو حتى يعتقلونه اذا طلب ذلك. لا يتوقف ايتمار وزملاؤه عن مضايقة الفلسطينيين، لكن هؤلاء يعتبرون استمرار وجودهم على أرضهم الرد الأمثل على هذه المضايقات. "المهم أن نحافظ على ما تبقى من هذه الأرض. انظري الى أين وصلت بيوت المستعمرة، وها هم يزيلون السياج الذي أحاطوا به المستوطنة متى يريدون ليأتوا ويسرقوا تراباً أحمر من أراضي السهل الخصب". الملكية وقانون الغاب تصل مساحة المنطقة التي تحاول اسرائيل اخلاء الفلسطينيين منها بحجة انها "مناطق عسكرية مغلقة" عشرات آلاف الدونمات، وتقع على مشارف مدينة عراد الاسرائيلية جنوباً وحتى غور الأردن شرقاً. لكن ذلك لا يمنع الفلسطينيين في المنطقة المعنية من أن يشيروا بالبنان، وفي شكل دقيق، الى أراضي عائلة فلان وأراضي عائلة علان من دون أن تجد بينهم من يتنازع على قطعة الأرض نفسها. فالجميع يعرف حدود اراضيه التي يملكها. بعض هؤلاء يملكون الوثائق القانونية التي تشير الى ملكية اراضيهم، أما البعض الآخر فأبرز أمام سلطات الاحتلال الوثائق التي تشير الى ملكيته جزءاً من أراضيه "خوفاً من الضرائب"، وهذا ما تستغله الدولة العبرية للسيطرة على الأرض بحجة أنها "أملاك دولة" وتتصرف بها بحسب هذا التصنيف الذي يعطيها الحق في السماح لليهود بإقامة مستوطنة لهم على أراض اصحابها فلسطينيون، فيما تطرد هؤلاء بحجة أنهم لا يملكون الأوراق الثبوتية المطلوبة. الفلسطينيون يسردون بحسرة قصة أهالي عرعرة في المثلث داخل الخط الأخضر أيام النكبة الفلسطينية عام 1948، عندما حضر الاسرائيليون وسألوا المواطنين عن عدد رؤوس الماشية التي يملكها كل منهم. في حينه، ظن هؤلاء أن السلطات الاسرائيلية ستفرض عليهم الضرائب مثلما كان يفعل "الباب العالي". فكانوا يعلنون ملكيتهم عدداً معيناً من الأغنام، وعندما يسألهم الاسرائيلي عن بقية الماشية كان الجواب انها "تعود الى ابن عم أو جار". بعد مدة عاد المسؤولون الاسرائيليون وصادروا الأغنام والأبقار التي في حوزة العرب، تلك التي قالوا انهم لا يملكونها شخصياً. وخسر العرب ماشيتهم بالطريقة نفسها التي خسروا فيها أراضيهم. الى هنا تنتهي قصة أهالي قرية عرعرة. أما بالنسبة الى أهالي المقفرة والتوانيا والخرب المجاورة فهم لا يتمسكون بأوراقهم الثبوتية فقط، بل وبالدلائل التي تشير الى أنهم يعيشون في هذه القطعة من الأرض منذ عشرات السنين، ويحرثونها ويعتنون بها، كما تعتني الأم بأطفالها. "لسنا بدواً وإن كانت حياتنا شبيهة بحياة البدو. فنحن نملك هذه الأرض"، قال "أبو حاتم" الذي يخشى أن تقرر اللجنة الاسرائيلية التي لم تعلن اسماء أعضائها حتى الآن، اقتلاعهم من أرضهم. ويضيف أن سكان المنطقة نجحوا في العيش بسلام في هذه المنطقة على رغم اعلانها منطقة عسكرية مغلقة "فما الذي حصل الآن ليشنوا حملتهم الجديدة علينا؟". الجديد الى "الضغوط" التي يمارسها المستوطنون على الجيش والمستوى السياسي على حد سواء، ما تقوم اسرائيل بتنفيذه على الأرض من مخططات تتوافق ورؤيتها الى أي "تسوية نهائية" تسعى الى عقدها مع السلطة الفلسطينية في المفاوضات الجارية بينهما. المخطط الاسرائيلي يقضي بضم ما بين خمسة كيلومترات وسبعة، على امتداد حدود الخط الأخضر، من كل الجهات، الى الدولة العبرية لتدخل التكتلات الاستيطانية الكبيرة المحاذية لهذا الخط اليها، وللسيطرة على أحواض المياه الجوفية للضفة الغربية، وكذلك للحفاظ على نهر الأردن حدوداً شرقية، ومنع أي وجود للفلسطينيين فيها، ولو في كهوف، ولو حرموا البناء العصري المسموح به للمستوطنين الوافدين من أوروبا وأميركا.