شهد الأربعاء الماضي إعلان تخصيص مؤسسة سكة حديد العقبة التي يقع مركزها في مدينة معان 220 كيلومتراً جنوب العاصمة عمّان. وبلغت قيمة اتفاق الاستثمار الذي أسهمت فيه شركات أميركية ويابانية وأردنية 185 مليون دولار، وهو اتفاق يمهد لمشروع صناعي تقيمه شركة نروجية تصل كلفته إلى 700 مليون دولار. وعلى أهمية تخصيص السكة الحديد اقتصادياً، فإن السياسة كانت حاضرة بقوة. فمدينة معان التي يبلغ سكانها 40 ألفاً تحظى بأهمية خاصة في التاريخ الأردني، فهي أول مدينة أقام بها الأمير عبدالله الملك لاحقاً عند وصوله إلى شرق الأردن عام 1920، ومنها اندلعت "هبة نيسان" عام 1989 التي شهدت مواجهات عنيفة بين المواطنين ورجال الشرطة على خلفية رفع أسعار الوقود. وكانت تلك الأحداث العامل الأساسي في اطلاق المسار الديموقراطي واجراء الانتخابات النيابية بعد انقطاع زاد عن عشرين عاماً. وتكررت المواجهات العنيفة في معان اثناء تفريق تظاهرة مؤيدة للعراق إبان عملية "ثعلب الصحراء" في شباط فبراير 1998. بعد شهرين من تولي الملك عبداله عرش البلاد، وبعد عقد من أحداث معان في نيسان ابريل الماضي، كانت مؤسسة سكة حديد العقبة الشركة الحكومية الأولى التي يزورها العاهل الأردني. وأعلن في تلك الزيارة المفاجئة التي التقى فيها العاملين في السكة ووعدهم بأن لا يشرّد منهم أحد على خلفية التخصيص، عن "جهود تنموية كبيرة" في محافظة معان التي وصفها بأنها "عزيزة على قلوب الهاشميين"، مشدداً على ضرورة "تحقيق العدالة في توزيع نتاج التنمية ومعالجة معضلات الفقر والبطالة". وبعد أربعة أشهر بدا واضحاً ان الجهود التنموية أخذت تُترجم إلى مشاريع تقوم على استقدام استثمارات أجنبية. واحتفظت الشركة الخاصة التي ستدير سكة الحديد ب500 موظف، فيما توزع الباقون على شركات ومؤسسات حكومية، وهو ما دعا اقتصادياً إلى التساؤل ان كان الموظفون الفائضون عن حاجة السكة الحديد سيرفدون المؤسسات التي نقلوا إليها بالكفاءات أم سيزيدون من ترهلها. والحال ان الحكومات كانت تتردد في تخصيص السكة الحديد نظراً للطبيعة السياسية المتوترة لمحافظة معان، واخفاق السياسات الاقتصادية التي مارستها الحكومات. فالمصنع الحكومي الوحيد الذي انشأته الحكومة في معان كان مصنع الزجاج، واغلق بعد تراكم خسائر زادت على 20 مليون دولار. أما السكة الحديد فبدأت مدينة، وزادت ديونها على المئة مليون دولار. ومع أن عمل السكة يقتصر على نقل الفوسفات من المناجم في وادي الحسا إلى ميناء العقبة، إلا أنها لم تتبع لشركة الفوسفات الرابحة. ومن المفارقات ان مدينة معان ارتبطت بالسكة الحديد منذ كانت محطة للخط الحديد الحجازي الذي كان ينقل الحجاج من دمشق إلى المدينةالمنورة مطلع القرن. ومع ان الخط الحجازي اعيد تشغيله الشهر الماضي بين عمّان ودمشق، إلا أنه لم يمتد إلى معان. وسبق أن فشلت مشاريع انعاش الخط من دمشق إلى المدينةالمنورة في الستينات بعد افلاس شركة "مارتن كاولي" البريطانية المنفذة لتجديد الخط، إضافة إلى عوامل سياسية. ويبدو ان معان التي ظلّت محطة للحجيج في الخط الحديد الحجازي مطلع القرن، ستتحول في نهايته إلى محطة للصناعات التعدينية من الفوسفات والبوتاس والاسمنت التي ستنقل عبرها إلى ميناء العقبة، وهو ما يسهم في ترويض مدينة مشاكسة سياسياً.