«العميد» يقهر الشباب ويكمل أضلاع نصف نهائي كأس الملك    أفريقيا تعلق عضوية غينيا بيساو    اختبار جديد لهدنة غزة .. نيران إسرائيلية تقتل طفلين فلسطينيين    الفرنسي "سيباستيان أوجيه" يخطف لقب بطولة العالم للراليات في جدة    الكشف عن تفاصيل عقد ديميرال الجديد مع الأهلي    القبض على 7 يمنيين في جازان لتهريبهم (120) كجم "قات"    المملكة تعلن عن نجاح إطلاق قمرين صناعيين سعوديين    ضبط 1667 متسللا لداخل الحدود    ضبط مخالفة رعي بمحمية ملكية        حملة لتعزيز الوعي بمخاطر الإدمان    179 حالة ضبط يوميا بالمنافذ    الهلال يتخطى الفتح في كأس الملك    8 آلاف مستفيد يختتمون الدورة الشرعية ال13 بجامع النجمي    آل الشيخ ل الوطن: المملكة تحمل لواء الوسطية والاعتدال حول العالم    الاتحاد بطلاً للبراعم والقادسية يتوج ببطولة الشباب في التأهيلية النسائية للتايكوندو    رصد سديم «رأس الحصان» في سماء النفود الكبير جنوب رفحاء    ترامب: سيتم إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها بالكامل    تشابي ألونسو يرفض التشكيك في وحدة لاعبي ريال مدريد    بحضور الأمير فهد بن جلوي.. إيقاد شعلة أولمبياد ميلانو كورتينا 2026    أمير حائل يدشن مستشفى حائل العام الجديد غداً الأحد ب 499 مليون ريال    نادي الطيران السعودي يحقق إنجازا تاريخيا ويكسر رقما قياسيا عالميا في غينيس    مودي يرسم رؤية هندية تكنولوجية بست مبادرات عالمية في مجموعة العشرين    بلدية العمار تنهي تطوير «بوابة القصيم الجنوبية»    مكتب التربية العربي لدول الخليج ينضم إلى اللجنة التوجيهية العليا للتعليم 2030 التابعة لليونسكو    "صحة روح" تختتم برنامج الفحص المبكر في مركز الحقو    شرطة الطائف : القبض على 13 مقيمًا لارتكابهم جرائم سرقة مواشٍ    مدير إقليمي وافد يعلن إسلامه متأثرا بأخلاق المجتمع السعودي والقيم الإسلامية    تعليم عسير يعتمد التوقيت الزمني الجديد لمدارس قطاع تهامة    من الشرق إلى الغرب واثق الخطى يمشي.. «محمد»    التجييش الناعم والخطر الصامت    إقبال لتوثيق ملكية الصقور في منافسات 2025 بالخبر    80 ألف زائر لكأس نادي الصقور 2025 بالشرقية    39 نوعًا من النباتات المحلية تزدهر في بيئات الحدود الشمالية    هورايزون مصر تطلق مشروع "رويال سعيد تاورز" بالقاهرة الجديدة        أمير منطقة جازان يقدم واجب العزاء لأسرة المحنشي    ترامب يعلن "إلغاء" كل وثيقة موقّعة بقلم آلي خلال رئاسة بايدن    الملك وولي العهد يعزيان رئيس الصين في ضحايا حريق مجمع سكني بهونغ كونغ    حاضنة مأمني الإبداعية توقع اتفاقية تعاون مع جمعية "معًا" لإطلاق نادي إعلامي واحتضان الفرق التطوعية    أمانة جازان تنفّذ مبادرة للتشجير ضمن حملة "تطوّعك يبني مستقبل" لتعزيز جودة الحياة    نادي ثَقَات الثقافي يُكرّم صحيفة الرأي الإلكترونية    الشيخ خالد المهنا يبين منزلة الصبر وفضله في حياة المؤمن    الشيخ أسامة خياط يدعو إلى الأخوّة واجتناب الإيذاء ولزوم القول الحسن    نائب أمير حائل يرفع شكره و امتنانه للقيادة    الرياض تستضيف المؤتمر الدولي للتعليم والابتكار في المتاحف    الأمين العام لمجلس الشورى يرفع الشكر للقيادة بمناسبة تمديد خدمته أمينًا عامًا للمجلس    "التخصصي" يستضيف قمّة التعاون في الجراحة الروبوتية بالرياض    علماء صينيون يطورون لسانا اصطناعيا لقياس مستوى الطعم الحار    تشمل خمس قرى وتستمر لعدة أيام.. إسرائيل تطلق عملية عسكرية واسعة بالضفة الغربية    إيران مستعدة للتفاوض مع واشنطن دون شروط    استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    خلال المؤتمر العالمي ال48 في جنيف.. السعودية تحرز 18 جائزة دولية عن تميز مستشفياتها    سلالة إنفلونزا جديدة تجتاح أوروبا    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    خالد بن سلمان يرأس وفد المملكة باجتماع مجلس الدفاع المشترك.. تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين دول التعاون    موسكو تطالب بجدول زمني لانسحاب الاحتلال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاولة لتفسير قتل المثقفين في ايران
نشر في الحياة يوم 18 - 02 - 1999

viva la moerta يحيا الموت كان هذا شعار كتائب الفاشية الفرانكوية خلال الحرب الاسبانية في الثلاثينات. وهو منذ عشرين عاماً الشعار المركزي الذي يتردد في هتاف صانعي وأنصار الجمهورية الاسلامية الايرانية: الموت لأميركا، الموت لاسرائيل، الموت للمنافقين، الموت لصدام، الموت لطالبان، الموت لحسين منتظري، الموت لاعداء الاسلام، الموت للمتآمرين على الجمهورية الاسلامية، الموت لاعداء الامام، الموت... الموت... الموت... حاول الرئيس السيد محمد خاتمي أخيراً اقناع المتظاهرين بتغيير الهتاف بالموت للجميع وكل أحد بهتاف من أجل الحياة ولكن، لا حياة لمن ينادي! الموت في الجمهورية الاسلامية، التي ولدت وفي جبينها لطخة دم، ليس مجرد شعار يمزق الحناجر بل خنق وشنق وذبح وقتل تحت التعذيب أو رمياً بالرصاص تجرعه أكثر من مئة ألف معارض وما زالوا يتجرعونه داخل ايران وخارجها، فضلاً عن مئات الأجانب الأبرياء الذين سقطوا قتلى بخناجر ورصاص قتلة محترفين في خدمة الجمهورية الأصولية التي تحقق بالارهاب ما تحققه الدول الأخرى بالديبلوماسية.
القرابين الذين يفضل الملالي نحرهم على أعتاب معبد الموت المقدس هم المثقفون الذين تكن لهم الفاشية منذ العشرينات والأصولية الاسلامية المتطرفة منذ ظهورها، وقبلهما محاكم التفتيش الكاثوليكية، حقداً مميتاً. فأعدى أعداء الفاشية والأصولية المسيحية بما هي تعصب وماضوية وعداء للعقل بنعت "الظلامية". لماذا هذا العداء الأعمى للعقل؟ لأنه أداة التفكير المنطقي، البحث الموضوعي على الحقيقة، الافتراض لا الجزم، فهم الآخر وتفهمه وتاليا الاعتدال بما هو اعتراف بوجهة النظر الأخرى وبالآخرين.
وطالما العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس ف "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب" كما يقول الامام مالك بن انس. اما الفاشيون والأصوليون فهم دائماً على حق!
الفاشيون والأصوليون التفتيشيون متطرفون اضطراراً لا اختياراً، فهم بحكم بنيتهم النفسية اللاعقلانية الهاذية انفصاليون متعصبون مصابون بالتأويل الخاطئ للوقائع والانغلاق القهري على الواقع والانطواء على الذات وكراهية الآخر، رمز الأم الفاطمة، والرغبة العنيدة في القيادة والتحكم في أدق تفاصيل حياة الانسان وأكثرها خصوصية. وهذا هو سر توتاليتارتيهم التي تتجلى في الهوس بكل ما هو واحد: الحزب الواحد، الرأي الواحد، البعد الواحد والصوت الواحد الذي لا يعلو عليه صوت مما جعلهم غير قابلين نفسياً واديولوجياً للتعايش السلمي مع المثقفين العقلانيين والتعددين الذين لا "يتطابقون" الا مع العقل أي مع قناعاتهم العقلانية لا مع الايديولوجيا الخلاصية الفاشية أو الأصولية مما جعل تصادم الفاشية والأصولية مع المثقفين حتمياً. لأن المطلوب منهم هو "التطابق" مع التوتاليتارية القائمة وهم يتمتمون: ليس في الامكان أبدع مما كان.
هذا ما يكشفه لنا بوضوح عضو البوليس السري الايراني "الفافاك" الذي فر أخيراً الى المانيا، محمد عامريان، عندما يقول: "قرار اغتيال المثقفين الايرانيين اتخذ على أعلى المستويات ضمن "لجنة مكافحة الأزمات السرية" التي نشطت بعد فوز الرئيس خاتمي لشل تياره الاصلاحي بهدف تصفية المثقفين المطالبين بحرية الصحافة وتكوين اتحادات الكتاب والصحافيين" المحظورة في الجمهورية الاسلامية الايرانية التوتاليتارية، مضيفاً: "مهمة هذه اللجنة هي جمع المعلومات عن حوالى 400 مثقف لمعرفة مدى انطباق مواقف هؤلاء مع النظام بالاجابة عن الأسئلة الخمسة التالية: هل يؤمنون بقيادة الحكومة الحالية؟ هل يعترفون بأركان النظام؟ هل هم منظمون؟ ما مدى تأثيرهم الاجتماعي؟ هل يتصلون بجماعات في الخارج؟" وبعد جمع المعلومات حكمت "اللجنة السرية" غيابياً على 180 مثقفاً بالاعدام لاقترافهم جريمة "عدم التطابق مع النظام"، ويضيف عامريان: "لم يبدأ تنفيذ حكم الاعدام في المثقفين الذين ادانتهم اللجنة السرية منذ الاعلان عن اغتيال المعارض داريوش زعيم حزب الشعب المحظور وزوجته في 12/11/1998، بل بدأ قبل ذلك باغتيال رئيس اتحاد الطلبة الاسلامي في محافظة مازدان واغتيال النقابي البارز، بيشكولا، والناشر الطهراني حميدان أنور...". اما مراسل "الحوادث" من طهران محمد صادق زادة فيخبرنا ان "اللجنة السرية" تضم نائب وزير الاستخبارات بور محمدي ومساعد قائد الحرس الثوري العميد ذو القدر وقائد فرقة عاشوراء العميد شريعتماداري والمدير العام لوزارة الاستخبارات محمد هاشمي اضافة الى قائد سرية الاغتيالات، التي تنسب اليها عمليات دموية في فيينا وبرلين وباريس، وهو العميد سهروردي.
ولا تتوقف لائحة المتورطين عند هذه الاسماء فقط فاصابع الاتهام مصوبة الى وزير الاستخبارات السابق علي فلاحيان اضافة الى مسؤولين في تنظيمات مختلفة، كما استندت "الشبكة السرية" الى عدد من الفتاوى التي اضفت الشرعية على ما ارتكبته وصدرت عن ثلاثة علماء دين بينهم أحد مدرسي الحوزة العلمية في قم الحوادث 5/2/1999. يفسر أبو الحسن بني صدر عرس الدم الايراني الجديد بخوف اعلامي من سقوط نظامهم منذ انتخاب الرئيس السيد محمد خاتمي: "فالاغتيالات هي سلاح النظام لإعادة فرض قبضته على الأوضاع". وقد استخدم "الفافافاك" والحرس للقيام بذلك خوفاً من الانفتاح والحريات والتعددية السياسية واقامة المجتمع المدني ... والى التصفيات كانت هناك الاعتقالات واغلاق الصحف. وقد اقفلت المئات منها منذ انتخاب خاتمي وأقام اليمين الحاكم نحو 250 دعوى ضد صحافيين واعلاميين، والمعروف ان القضاء هو في يد اليمين. كما ان الهجوم ذاته حصل في الجامعات وقامت به قوات الباسيج التي كلفت العمل بين الطلبة داخل الحرم الجامعي، وقد اضطر اليمين الى إعادة تنظيم دولة الارهاب للدفاع عن النظام واغتيال الرموز الاصلاحية التي تهدد وجوده واستمراريته، وهذا ما يفسر مسلسل الاغتيالات التي أصابت نخبة من المثقفين والمفكرين". لكن تفسير بني صدر يحتاج هو نفسه الى تفسير لأن اغتيال المثقفين لم يتوقف منذ الانقلاب الخميني، وفي سنة 1992 وحدها اغتيل عدد من المثقفين في وقت كان فيه الملالي مطمئنين الى خلود نظامهم الذي وصفه بعض العماء الأصوليين بأنه "نموذج للديموقراطية".
ربما كان التفسير الأكثر اقناعاً للرغبة المجانية في الموت أخذاً وعطاء لدى الفاشيين والأصوليين هو تفسير المحلل النفسي الفرنسي ميزونوف: غريزة الموت المتجذرة في بنيتهم النفسية التي تتجلى في يأسهم الاكتئابي المزمن من الوجود وفي كراهيتهم العميقة للحياة والاحياء. هذا اليأس الاكتئابي كان كافياً لدفعهم الى الانتحار كما يفعل المكتئبون عادة لولا انهم وجدوا له متنفساً في نشاطات عدة منها الايديولوجيا القومية والفاشية والتخيلات الأصولية الممرضة بالتعصب وقتل الآخر المخالف أو المختلف سياسياً أو دينياً في أول فرصة سانحة. عندما تتجسد غريزة الموت في تنظيم أو دولة يصبح الارهاب الدموي هو المنفذ الوحيد لتنفيسها في عرس دم دائم كما فعلت الفاشية منذ لحظة قيام دولتها الى لحظة سقوطها.
شعار هواية تدمير الآخر وتدمير الذات السادية - المازوشية: "كن قاتلاً أو قتيلاً ما استطعت الى ذلك سبيلا"، لازم قولا وفعلا الجمهورية الاسلامية الايرانية طوال عشرين عاماً. بل ان احتفاءها بالعنف في شتى تجلياته ارتقى الى مرتبة الشعائر المقدسة والمقننة في تقاليدها وقوانينها، الى حد الهوس والدّعابة السوداء التي تعبّر عن سادية لم تدر بخلد المركيز دوساد نفسه: كتبت رئيسة الجامعة الديموقراطية للنساء الايرانيات اكراموزادات مير حسيني: "القاعدة المتبعة في السجون الايرانية ان السجينات العذارى يغتصبن قبل تنفيذ حكم الاعدام فيهن. لذلك يكتب حراس السجن أسماء أعضاء فصيلة الاعدام وكذلك اسماء الضباط الحاضرين ثم ينظمون اقتراعاً. تحقن العذراء عشية اعدامها بمهدئ والفائز في الاقتراع يغتصبها. غداة اعدامها يحرر القاضي الديني بالسجن شهادة زواج بينها وبين مغتصبها ويرسلها الى أسرة الضحية مع كيس من الحلوى". من كتاب المرأة والعنف في العالم صادر بالفرنسية.
* كاتب تونسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.