إطلاق مركز أصدقاء المياه 931 لاستقبال بلاغات تسربات المياه في الطرقات وتسريع معالجتها    "الصناعات العسكرية" تعرض منتجاتها في (إيدكس 2021) بالقاهرة    الخرطوم: إعفاء مديري الاستخبارات وجهاز الأمن    التحالف: تدمير 7 آليات عسكرية والقضاء على 60 عنصراً إرهابياً في مأرب    التعادل السلبي يحسم مواجهة الباطن والحزم في دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين    أبها يكرم العبيدي    القبض على مقيم باكستاني لتزويره إقامات ورخص سير في جازان    "حرس الحدود" يحبط تهريب 19233 قرص إمفيتامين مخدر بالحدود الشمالية وتبوك    هيئة فنون العمارة تختتم المسابقة الأكاديمية لتصميم المكتبات العامة    "الصحة": تسجيل حالتي وفاة و29 إصابة جديدة ب"كورونا" وشفاء 40 حالة    جنوب أفريقيا: "أوميكرون" خفيف الأعراض لكنه يصيب الشباب    هيفاء آل مقرن رئيسا للجنة البرامج والعلاقات الخارجية في اليونسكو    صحة نجران تنفذ مبادرة خطوة نحو المستقبل بدون إصابة    بلدية النعيرية: انطلاق فعاليات مهرجان (بين أهلنا) الترفيهي بحضور أكثر من 4 آلاف زائر    وفد وزاري يزور أول مصنع وطني لإنتاج وتصدير الألواح الشمسية    وزير الاقتصاد والتخطيط يزور دارة الملك عبدالعزيز    ضبط 429 مخالفا حاولوا دخول المملكة معظمهم يمنيون    «صدمة» قوارب تخرج من تحت الأرض لتهريب المهاجرين.. شاهد كيف يحدث ذلك؟    مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية في حجة يقدم خدماته ل 2.838 مستفيدًا خلال أسبوع    القيادة تعزي الرئيس الروسي في ضحايا "منجم الفحم" في سيبيريا    سمو وزير الخارجية يلتقي رئيس مجلس النواب الأرجنتيني    برشلونة يقترب من لاعب مانشستر سيتي    100 باحث وباحثة في الحوار الوطني يجمعون البيانات من المواطنين    رئيس مجلس الشورى يشارك في اجتماعات الجمعية العمومية للاتحاد البرلماني الدولي في دورتها ال 143    "الرأي" في زيارة لقصر مالك التراثي برجال ألمع    إمارة مكة تدعم تنمية القدرات الرقمية للناشئين    تبدأ غدًا الأحد.. تنبيه هام من السفارة في هولندا    أمريكا ترحب باعتزام استراليا تصنيف "حزب الله" منظمة إرهابية    هؤلاء ممنوعون من أداء العمرة من جملة القادمين من خارج المملكة    بطل العالم في رياضة الجوجيتسو السعودي آل مخلص يعود لأرض الوطن    "الموارد البشرية" تُطلق مبادرة قافلة التطوع بمحافظة جدة    سماء صحو إلى غائمة جزئياً تتخللها سحب رعدية ممطرة على جازان وعسير    "البلديات": ضوابط لإصدار الرخص المهنية والحرفية    تأجيل المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية بسبب متحور أوميكرون    «الجوازات»: المخالفات تمنع إصدار أو تجديد جوازات السعوديين.. ولا تمنع السفر    خادم الحرمين الشريفين يهنئ رئيس جمهورية ألبانيا بذكرى استقلال بلاده    تعرف على أسعار الذهب اليوم في المملكة    خادم الحرمين وولي العهد يهنئان رئيس ألبانيا بذكرى استقلال بلاده    سلطنة عمان تُعلق دخول القادمين من 7 دول أفريقية    هولندا تعلن فرض إغلاق جزئي بسبب انتشار فيروس كورونا    تاليسكا: لا يوجد مشاكل في النصر.. وحققنا 3 نقاط مهمة    رسميًا.. الاتحاد يعلن تمديد عقد البرازيلي رومارينيو حتى 2024    "الزكاة والضريبة" توضح حقيقة فرض ضريبة القيمة المُضافة على تعويضات الحوادث    "الخثلان" يوضح حكم تحديد المنهج للطلاب من باب التسهيل عليهم    من خلال تسليم أجور متأخرة تجاوزت 700 الف ريال.. التسوية الودية بالرياض تنتهي دعوى جماعية بالصلح    «متحور جديد» يقلق العالم!    دفعوا 150 ألفا لتنظيف شاطئ ورموا المخلفات بالبحر    النفط يهبط 10% وسط مخاوف من «أوميكرون»    الصالة المغلقة في عدن تستضيف المربع الذهبي لكرة السلة بين أندية عدن وصنعاء وحضرموت    وزارة الخارجية تعرب عن بالغ الألم جراء حريق كيميروفو بروسيا    بيان من الخارجية بشأن حريق منجم في روسيا ووفاة 52 شخصاً    شؤون الحرمين: جاهزون لاستقبال المصلين والمعتمرين خلال الإجازة    شؤون الحرمين تجهز التوسعة الثالثة بالمسجد الحرام لاستقبال المصلين    محافظ #البكيرية يزور مهرجان مدينة الاخشاب الترفيهي "وود بارك "    وزير الشؤون الإسلامية ووزير الشؤون الدينية الإندونيسي يؤكدان توافق الرؤى في نشر مبادئ التسامح والاعتدال        ابن رقوش يبحث الشأن العمالي مع القنصل النيبالي بجدة        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النص الثابت والواقع المتغير : كيف نوفق بينهما ؟
نشر في الحياة يوم 10 - 06 - 1998

يتساءل كثير من الكتاب والمفكيرين المعاصرين الذين يتعاملون مع القضايا الاسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ومنهم: محمد سعيد العشماوي، محمد شحرور، محمد أركون الخ... عن كيفة التوفيق بين نصوص ثابتة القرآن والسنة وواقع متغير، وهم من أجل حل هذه الإشكالية يصدرون أحكاماً جديدة مخالفة للأحكام الاسلامية السابقة، ويتعللون بأن تلك الاحكام كانت نتاج واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي معين، لذلك ومع تغير هذا الواقع يجب ان يتغير الحكم، فهل هذه المشكلة حقاً مشكلة جديدة؟ وهل يجوز ان نصدر أحكاماً مجردة من أية ضغوط من أجل حل هذه المشكلة؟
المشكلة ليست جديدة، بل قديمة قدم النص القرآني، ونحن من أجل تسهيل مناقشتها يمكن ان نجزئها الى قسمين:
1- النصوص المتعلقة بالعقيدة وبالأسرة وبالحدود الخ...
2- النصوص المتعلقة بالاجتهاد بشكل عام.
اما بالنسبة الى النصوص المتعلقة بالعقيدة وبالأسرة وبالحدود فقد جاء ثبات أحكامها من ارتباطها بالجانب الثابت من كيان الانسان الذي أطلق عليه القرآن الكريم مصطلح "الفطرة"، فقال تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله" الروم 30، ومن مظاهرة الفطرة الثابتة على مدار التاريخ: التعبد، حب المال، حب التملك، التجاذب بين الذكر والأنثى، الخوف الخ...، لذلك وجدت نصوص عالجت هذه الجوانب الفطرية.
ففي مجال التعبد بينت النصوص صفات الله الذي يجب ان يتجه المسلم اليه بالعبادة، وبينت أنواع العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج، ووضحت كيفيتها وأوقاتها، وبينت أجر المتعبد وعقوبة غير المتعبد.
وفي مجال التملك والمال، فقد أباحت النصوص التملك وحللت بعض طرق الكسب وحرمت بعضها الآخر، قال تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" البقرة 275، ووضحت أوجه انفاق المال فحرمت الإسراف والتبذير، ووضعت حدّ السرقة لمن يدفعه الطمع الى التعدي على مال غيره، ووضعت الضوابط المتعددة لهذا الحد.
وفي مجال التجاذب بين الذكر والأنثى، دعت النصوص الى الزواج وتكوين الأسرة، واعتبرت الزواج هو الطريق المشروع للعلاقة بين الاثنين وحرمت ما عدا ذلك، لذلك بينت نصوص كثيرة الحقوق والواجبات لكل من الزوجين والأورد، وبينت أحكام الطلاق والميراث، وو ضحت عقوبة الزنا والقذف.
وفي مجال الخوف بينت النصوص ان هناك خوفاً فطرياً لا إثم فيه فقد وقع فيه الأنبياء، فقد خاف النبي ابراهيم من الملائكة عندما وجد ان أيديهم لا تصل الى الطعام الذي قدمه إليهم، وخاف موسى وهارون عليهما السلام المواجهة مع فرعون، لكن هناك خوفاً محرماً هو الذي يحول دون قول الحق أو الوقوف الى جانبه، ودعت النصوص المسلم ان يوجه خوفه الى مقام الله وعذاب الآخرة لكي يستطيع ان يكون في مستوى الصدع بالحق والجهر به.
أما بالنسبة للآيات الأخرى المتعلقة بالاجتهاد فقد حكمها بشكل عام علم أصول الفقه الذي جاء استجابة لآيات متعددة في القرآن الكريم تبين للمسلمين طبيعة القرآن الكريم وصفاته. فقد جاء في تلك الآيات انه قرآن عربي، قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" يوسف2، وجاء فيها ان فيه نسخاً قال تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسبها نأتي بخير منها أو مثلها إن الله على كل شيء قدير" البقرة 106، وان فيه محكماً ومتشابهاً، قال تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأٌخر متشابهات" آل عمران 7، وان فيه المجمل والمفصل، قال تعالى: "الر، كتابٌ أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" هود1 الخ...
كانت تلك الآيات محور علوم متعددة: المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ، المجمل والمفصل الخ... وقد تكوّن علم أصول الفقه من العلوم السابقة بالإضافة الى قواعد أخرى مثل: الاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والاستصحاب الخ... وقد مرّ علم أصول الفقه بمرحلتين مهمتين هما:
الأولى: إقراره بتعليل الأحكام في وجه الاتجاه الظاهري الذي يرفض مثل هذا الاقرار بحجة ان الله لا يسأل عما يفعل، وانه لا حكمة ولا علة وراء أي امر من الأوامر، وان البحث عن الحكمة والعلة تنطع في الدين وبعد عن الصواب وافتراء على الله، ولكن هذه المدرسة في الفقه والتي مثلها داود الظاهري في المشرق وابن حزم في المغرب انحسرت لصالح المدرسة الثانية التي وضحت ان الله بين لنا الحكمة من بعض الاعمال حيث قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" البقرة 183، وكان ابن القيم الجوزية من العلماء الذين قبلوا تعليل الاحكام والبحث عن الحكمة من ورائها، وأقر بالعجز عن احصاء الآيات والأحاديث التي عللت الاحكام لكثرتها، وقد سمح لنفسه ان يذهب في البحث عن الحكمة شوطاً بعيداً فتساءل عن الحكمة في أداء صلاة الفجر ركعتين في حين ان صلاة الظهر أربع ركعات الخ...
الثانية: أخذه بمقاصد الشريعة واعتباره ان الله أرسل الانبياء وأنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد، وقد جاء هذا التطور على يد أبي اسحاق الشاطبي تتويجاً للمرحلة السابقة، واعتبر الشاطبي ان استقراء آيات الشريعة تبين لنا ان القصد من إنزال الأديان السماوية هو تحقيق خمسة أمور: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل، حفظ المال، واعتبرها من الضروريات التي لا تستقيم حياة الناس من دونها، واعتبر ان هناك أموراً حاجية تأتي بعد الضروريات في المرتبة لترفع الحرج عن الناس وتيسر سبل العيش كالرخص في العبادات، واعتبر كذلك ان هناك أموراً تحسينية تأتي بعد الحاجية ترجع الى مكارم الاخلاق ومحاسن العادات، فلما ندب الشرع الى الانفاق ندب ان يكون الانفاق من طيب الكسب. ودعا الشاطبي الى ضرورة تسلح المجتهد بعلمين: الأول: العلم باللغة العربية، والثاني: العلم بمقاصد الشريعة، كي يستطيع ان يربط بين الجزئي والكلي في ما يُستفتى فيه.
وبعد هذا التوضيح نستطيع ان نقول لقد كانت العلاقة بين النص الثابت والواقع المتغير محلولة في ما سبق من تاريخ الاجتهاد الاسلامي، واذا ادعى بعض الباحثين الآن ان هناك مشكلة بين النص الثابت والواقع المتغير من دون الدخول في النوايا أو الانتماءات الايديولوجية فإننا نقول عليهم ان يثبتوا أحد أمرين أو كليهما:
الأول: انه ليست هناك فطرة، وليس هناك جانب ثابت في كيان الانسان، بل داخل الانسان في تغير وتحول مستمرين كالمحيط الخارجي.
الثاني: ان يثبوا عدم ملاءمة علم أصول الفقه للاجتهاد في وقتنا الحاضر، وعجزه عن التوفيق بين النص الثابت والواقع المتغير.
إن أبرز من قام بجهد في الحقل الثاني الدكتور عادل ضاهر في دراسته التي تناولت النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، والتي جاءت في جريدة "الحياة" بدءاً من العدد 12035 بتاريخ 5 شباط فبراير 1996، والتي رددت عليها في عدد تال، والى ان توجد مثل هذه الدراسات التي تسد هذه الثغرة بشكل علمي وموضوعي فإنه يجب الاستمرار في الاعتماد على علم أصول الفقه، مع الانتباه الى وجود فرصة جيدة لتنميته وبالذات في مجال المقاصد بحيث تتسع قدرة المجتهدين على المواءمة بين النص الثابت والواقع المتغير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.