أوضح عدد من النقاد والكتاب أن الفنون المعاصرة لم تُسْلِم قيادَها للنقد لكي يضع قواعدها، أو يرصد ثوابتها لينطق منها إلى وظيفته الأولى، قراءة ومتابعة، وذلك لعدم استقرارها، والسبب سيرها في مدارات التقنية بشبكاتها، وعوالمها المدهشة غير المتناهية. وكانت «الحياة» طرحت تساؤلاً عن تغيب الاشتغالات على مواضيع، مثل الفنون المعاصرة، وفنون ما بعد الحداثة، والإعلانات والجسد، والصورة. لماذا هذا الغياب هل له علاقة باهتمامات النقاد ومطالعاتهم؟ يقول الدكتور إبراهيم أبو طالب أستاذ الأدب والنقد الحديث المشارك بجامعة الملك خالد: «النقد هو الكلام على الكلام، كما يقال، وميدانه الفنون القولية، التي بُنْيَتها الكلمة، سواء كانت شعراً أم سرداً أم مسرحاً، استقرت تلك الفنون عبر قرون طويلة عايشها النقد وحاورها وخاصمها ووافقها وقوّمها وقيّمها حتى صارت به وبذاتها نماذج عليا، وصار معها النقد رفيقاً لدوداً ومكملاً ما من صداقته بُدُّ، وغير مناهجه عبر مسيرته بتغيّر فلسفاته ومنابعها واتساع رؤاه وتنوعها من خلال رؤيته للعالم من حوله بواقعه حيناً، أو بفعل القراءة والقارئ النموذجي بمهاراته، وما يقرأ من متن متنوِّع، حيناًَ آخر، فمرَّ عبر مراحله الأولى الممتدة، زمنياً، من الكلاسيكيات بمحاكاتها مروراً بالقائل (المبدع) - لفترة - في مرحلة الرومانسيات (والمتعة والنفع)، وصولاً - حديثاً - إلى النص في ذاته في مرحلتنا اللسانية والبنيوية والحداثة وما بعدها». وأضاف الدكتور أبو طالب: «وبذلك استقرّ اهتمام النقد بعوالم النص المقروء، وحضر معه، وبيَّن عوالمه، بل ووجَّه مساراته عبر السؤال العميق، والنقاش المثمر. وحين نتساءل عن الفنون المعاصرة، بحسب سؤالكم، فإن ذلك يرتبط بالصورة بتجلياتها وانعكاساتها الفنية المتعددة، ومن هنا سيكون بينها، أي الصورة بمعناها التقني الحديث المترابط، وبين الكلمة تداخل وتخارج، خفاء وتجلٍّ، وسيستلزم ذلك نقداً جديداً مواكباً ومختلفاً في أدواته وطبيعته، وسيكون للسيميائية، بأفقها المتَّسع، كعلم يشمل تلك الفنون وينهض بقراءتها وبيان دلالاتها، حضور مُلِحّ مع الاستفادة، بطبيعة الحال، من تراث النقد بكل أشكاله، وإذ إن طبيعة هذه الفنون، المستجدة والعريقة في آن، متغير متسارع التشظي، ومتشعب التكوّن، والدمج والاتصال، فإنها لم تُسْلِم قيادَها للنقد لكي يضع قواعدها، أو يرصد ثوابتها لينطق منها إلى وظيفته الأولى، قراءة ومتابعة، وذلك لعدم استقرارها والسبب سيرها في مدارات التقنية بشبكاتها وعوالمها المدهشة غير المتناهية، لذا لم يدخل نقدها إلى الساحة الأكاديمية، أو النقد الرسمي (الجامعي/ المؤسسي) إلا في جهود مفرقة في أكاديمياتنا العربية، لأن السائد ما يزال يدور في فلك الكلمة وقضاياها، ولمَّا يدخل في مجال الصورة وتقنياتها، إذ يحتاج هذا الدخول إلى وعي كبير ومغامرات منهجية وأدوات نقدية وفكرية جديدة، غير تقليدية، تناسب هذا المنتج الإبداعي والثقافي الجديد غير التقليدي». اختراق محرم في حين يرى الكاتب حمد الرشيدي أن «هذا السؤال موجه للمجتمع العربي عامة والخليجي منه خاصة. فهناك نسبة كبيرة جداً من الشعوب الخليجية تعتقد أن جميع الفنون المسرحية والسينمائية هي اختراق محرم لحياتها التقليدية ومظاهرها المحافظة. ولازالت هذه النظرة المريبة إلى المسرح مرتبطة بأذهان كثير من المجتمعات الخليجية حتى الآن، فإذا كانت هذه نظرة مثل هؤلاء إلى المسرح القديم لدينا (التمثيلي والغنائي والأدبي المكتوب)، ومنذ عهد قديم، فمن المؤكد أن نظرتهم إلى المراحل المتطورة منه لدى شعوب العالم المتطورة في الوقت الحاضر ستكون أسوأ بكثير، كفنون ما بعد الحداثة، أو الرقص، ولغة الجسد والإعلانات والصورة، وهذا كله في مجمله انعكس على ذائقة كثير من الأدباء والنقاد العرب، والخليجيين منهم خاصة، الذين اهتموا بفنون المسرح، فكان أغلب ما كتبه الخليجيون، تحديداً، في الفن المسرحي، مقتصراً على الحس الأدبي، والتعامل مع المسرح تعاملاً فنياً مكتوباً (على الورق)، وبعيداً من الممارسة الفعلية للمسرح على الخشبة، أو على أرض الواقع الفعلي للمسرح الفني بكامل أدواته وتجهيزاته. ومن هنا توجه المهتمون بالمسرح لهذا الفن وكائنهم يكتبون بناء على رغبة المجتمع وليس على رغبتهم هم أنفسهم»، مشيراً إلى أن هؤلاء تعاملوا مع الفنون الأدبية سواء المسرح أم الشعر أم القصة أم غيرها من الفنون الإبداعية «بشكلها الكلاسيكي القديم، وتوقفوا عنده، ولم يتجاوزوه إلى الأشكال الحديثة للفنون المسرحية والأدبية في معظم الحالات! ليس لأنهم غير قادرين على ممارسته وإنما لاعتقادهم أن فنون المسرح الحديثة المتطورة في العصر الراهن لا تلقى قبولاً لدى المتلقي، أو الجمهور العربي، كما تجده لدى شعوب العالم المتقدمة الأخرى». الحداثة مفهوم فضفاض وتقول الناقدة والروائية سالمة الموشي: «ليس بالضرورة أن غياب الانشغال بفنون ما بعد الحداثة تكمن أسبابه في نوعية اهتمام النقاد، أو مطالعاتهم، أو توجههم، إذ لا يشكل النقاد إلا نسبة قليلة، إضافة إلى أن لا علاقة للأمر بشكل مباشر بمطالعاتهم، أو اهتماماتهم إذ إن نسق ما بعد الحداثة قائم، وينمو ويتوسع سواء اشتغل عليه النقاد، أو لا. ذلك أن المتغير هو مشروع حضاري كوني وغياب الاشتغال به لا يعني غيابه». وتضيف: «إن إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة غُيبت من ناحية الاشتغال عليها من النقاد والباحثين بينما هي على أرض الواقع تتمدد وتصبح أحد أشكال الحياة المعاصرة يعيش الإنسان من خلالها، فقيم الصورة والجسد والفنون البصرية يقوم عليها أكبر صناعة إعلامية بحيث طغت على عنصر المقروء والورقي والأدبي. نعم نقد ما بعد الحداثة لم يقدم كل إمكاناته إلا أنه بالمقابل في تجدد وسيرورة غير منتهية، كما أن أحد الأسباب لهذا الغياب النقدي هو ظهور فكرة الحداثة كمفهوم واسع وفضفاض وملتبس ووصم المشتغلين عليه بالتغريب، ولهذا نجد أن كل المحاولات للتوجه إلى نقد فنون ما بعد الحداثة لازال بطيئاً في توسعه على رغم الاشتغالات المتفرقة عليه من هنا وهناك لدى بعض النقاد والباحثين، ويكمن السبب في أن مشروع الحداثة ذاتها في العالم العربي لازال يعاني تبعات انغلاقه على ذاته». من جانبها تقول الكاتبة كفى عسيري: «الناقد ابن بيئته تماماً، كالشاعر والروائي، وإذا كان حديثنا عن النقد محلياً فأظن السبب الأول هو غياب هذه الفنون أو لنقل ضعفها». وأضافت: «يهتم الناقد بالجنس الأدبي المتوافر في محيطه، لذلك نجد النقد في الشعر والرواية والقصة متوافراً. وانتشرت الدراسات عليها بشكل كثيف، بينما لو نظرنا إلى المسرح سنجد النقد فيه أقل بسبب قلة النشاط المسرحي في الأساس، وندرة المتخصصين فيه على مستوى الوطن، وبالتالي فهذه الفنون: المسرح، والرقص، وغيرها من الفنون المعاصرة غيابها أو شحها يصرف النقاد عنها، وإن كنت لاحظت دراسة مهمة للدكتور عبدالرحمن المحسني عن (صور العرض الرمزية على برنامج «واتساب» لدى بعض الأدباء)، وأيضاً كتب عن (أدب التغريد)، وهذه الدراسة تنبئ عن إقبال على نقد هذه الفنون المعاصرة، ما يعطي مجالاًَ لانتشارها، والخروج من الصورة التقليدية للنقد إلى صورة حديثة وفق الأدوات المتوافرة في بيئة الناقد».