هل يجب أن تقوم الميديا في مختلف انحاء العالم، وبأنواعها المختلفة بنشر اسماء وصور منفذي العمليات الإرهابية؟ وهل لهذه المعلومات قيمة واهمية إخبارية؟ ام هي قبل كل شيء سوية مع صور الضحايا يمكن ان تلهم آخرين مهووسين بالعنف من الذئاب المنفردة وتحفزهم على ارتكاب مثل هذه الجرائم؟ هذه الأسئلة هي أكثر ما يشغل رجال الأعمال وخبراء الميديا في الغرب وأوروبا الآن، وهي تثير سجالات متباينة وأفكار متضادة فاضت وتيرتها بعد اتخاذ الكثير من الصحف الفرنسية قراراً بعدم نشر صور واسماء الارهابيين تجنباً للوقوع في مصيدة تحويلهم الى ابطال شجعان كما يريد (داعش) ان يقدمهم لجمهور ما يعرف بمصطلح (الداعشية الكامنة). قررت وسائل إعلام فرنسية مثل قناة «بي اف ام تي في» الإخبارية وصحيفتي «لوموند» و «لا كروا» التوقف عن نشر صور منفذي الاعتداءات «لتفادي اي تمجيد لهم» و «لعدم وضع الضحايا والارهابيين في المقام ذاته». وكتب مدير صحيفة «لوموند» جيروم فينوغليو «إثر اعتداء نيس لم نعد ننشر صور منفذي المجازر لتفادي اي تمجيد لهم». وقال مدير تحرير «بي ام اف تي في» ل «فرانس برس»: «ان للصورة بعداً رمزياً ومثالياً خصوصاً في قناة اخبارية تبث باستمرار العديد من النشرات وبالتالي تتكرر فيها الأخبار. ويمكن ان تضع الصورة الضحايا والإرهابيين في مقام واحد». إلا أن القناة كما أكد «ستستمر في بث اسماء منفذي الاعتداءات لأننا لا يمكن ان نتخلى عن الاعلام». واتخذت صحف فرنسية اخرى موقفاً يختلف في بعض التفاصيل، فقد قال رئيس تحرير صحيفة «لا كروا» الكاثوليكية فرنسوا ارينوين: «لن ننشر سوى اسم منفذ الاعتداء والحرف الأول من كنيته من دون صورة»، وهو موقف اتخذته اذاعة «اوروبا 1» ايضاً وذكرت في تغريدة على «تويتر» انها لن تبث كنية الارهابيين. وقال مديرها العام نيكولا اسكولان إن «نشر معلومات عن القتلة يمكن ان يوحي بأنه اطراء لهم، بإمكاننا ان ننشر كل شيء عن الحدث ولكن بطريقة مختلفة من ذكر اسمائهم ونشر صورهم». صحيفة «ليبيراسيون» اليسارية رفضت القرار، ووفق المدير المساعد للصحيفة يوهان هوفناجيل فإن «إخفاء أسماء الإرهابيين موقف لا يمكن الدفاع عنه». وأوضح «تخيلوا مقالاً (يتضمن) الاخوة +اس ايه+ و+بي ايه+ و+ايه ايه+ و+اف ايه ام+» مضيفاً مع ذلك ان «النقاش حول استخدام الصورة في الصحيفة وفي موقعها هو نقاش دائم منذ وجود الصحيفة». و «ان نشر صور الإرهابيين وتمجيدهم امران مختلفان». رقابة ذاتية ام صياغة مختلفة معارضو القرار من الخبراء والاعلاميين وجدوا فيه نوعاً من الرقابة الذاتية وحجباً للمعلومات يتعارض مع حرية حصول الناس على كل المعلومات بغض النظر عن شكلها وجوهرها، ورأى البروفيسور تشارلي بيكت في (The London School of Economics and Political Science) ان «هذا القرار لا يعني فرض الرقابة على نشر المعلومة، وإنما صياغة مختلفة للخبر»، وقال: «ينبغي علينا ان نكتشف هل ان ما نفعله يساعد على نشر الارهاب؟». هذا فيما اعتبر المعلق في «الغارديان» روي غيسليند» الحجج المساقة لتبرير القرار غير مقنعة وغير مقبولة»، وقال: «ان نشر الحقائق والمعطيات بكل تفاصيلها أمر في غاية الأهمية عندما يكون المجتمع قد تعرض لهجوم ارهابي»، وشدد على «ان حجب اي معلومة حتى وان كانت لا تؤثر على قيمة الخبر توفر ارضية صالحة لانتشار الاشاعات»، وبهذا فإن الميديا «تقدم خدمة مجانية للارهابيين الساعين لبث الفرقة والانقسام في المجتمعات الاوروبية»، هذا كله يفرض «ان نعرف كل ما هو متوافر ومتاح عن الفاعلين، اصولهم، وارتباطاتهم، فهي التي ستقودنا الى معرفة الدوافع وراء ارتكابهم الجريمة». واضاف: «الجماعات الجهادية تولي الاهتمام الأكبر في ايصال رسائلها وسرد ما تريده من قصص بشبكات التواصل الاجتماعي والنيو ميديا». البروفسور اريك ديتريخ وفي مقال نشرته مجلة (Psychology) قال: «إن العالم اليوم اقل خطراً مما كان عليه من قبل، فأكثرنا سيموت بسبب الشيخوخة وليس من الأمراض المعدية او تحت زخات الرصاص» وقال: «لا احد في الاوضاع القلقة التي نعيشيها الآن قادر على ان يقنع نفسه بهذه الحقيقة». وأضاف: «الناس في سجيتهم وهواجسهم الكامنة يعشقون الخوف، ويميلون الى الهرب من الشر، اكثر مما يبذلون من جهد في البحث عن الخير، وفي هذا الخوف يبدو «ان حليفهم الوحيد الامين هو وسائل الاعلام». يتفق خبراء الميديا على ان ما تميزت به وسائل الاعلام في جميع انحاء العالم هو مشاركتها الارهابيين في بث الذعر بعد العمليات الارهابية في باريس ونيس والنورماندي وميونيخ وغيرها من خلال تركيزها على الارهابيين وضحاياهم، وعرضها لمشاهد الموت والذعر في عيون الناس في مواقع الحدث. تقول خبيرة الميديا، ونائبة رئيس رابطة التنمية الاعلامية في بلغاريا فيسسلافا انطونوفا ل «الحياة» ان «المبالغة في تقديم الحدث المأساة تترك على متلقيها تأثيرات ضارة للغاية من بينها تحجيم القدرة لدى المشاهدين والمستمعين على التفكير بعقلانية ما يجعل ردود الفعل على الحدث في كثير من الأحيان عشوائية وعبثية تعزز مشاعر الكراهية الكامنة وتحفزها للظهور». الميديا والارهاب يتضح من دراسات وبحوث قامت بها مجموعات بحث في كليات الاعلام في جامعات أوروبية مختلفة وجود علاقة وثيقة مباشرة بين السرد الصحافي للاحداث المأسوية ومن بينها جرائم الارهاب، وقيام افراد وجماعات ليس بالضرورة مرتبطة بمنظمات ارهابية بتقليدها تحت تأثير لحظة اعجاب او إلهام سلبي. وقالت انطونوفا «ان قيام الصحافيين بكتابة تحقيقات ومقالات عاطفية ومؤثرة في القراء يساعدون من دون اراداتهم في تحقيق الاهداف التي يسعى اليها الارهابيون وتتمثل بالدرجة الأولى في بث الذعر من منابر مجانية تصل الى اكبر عدد من الناس». يرصد خبراء الميديا وجود اختلافات في شكل وجوهر الأخبار التي تنقلها وتقدمها الميديا الاوروبية والغربية عن العمليات الارهابية التي تقع في اوروبا والولايات المتحدة عن تلك التي تقع في دول عربية واسلامية. وبرأي الاستاذة في كلية الصحافة بجامعة صوفيا البروفسورة سنجانا بوبوفا ل «الحياة» ان «الطريقة التي تتناول فيها وسائل الاعلام الاوروبية اخبار العمليات الارهابية في اوروبا مختلفة تماماً عن الهجمات المماثلة التي تشنها التنظيمات الجهادية نفسها في دول أفريقيا او آسيا»، وقالت: «وعلى سبيل المثال بعد ايام معدودة على الجريمة البشعة في نيس الفرنسية تعرضت العاصمة الافغانية كابول الى جريمة ارهابية مماثلة وصل عدد ضحاياها الى 80 قتيلاً واكثر من 200 جريح، ولكن ما أثار انتباهي هو شيء فظيع حيث ان نشرات الأخبار نقلت الخبر وكما ان الضحايا أقل شأناً من اقرانهم الاوروبيين وفي الوقت الذي استحدثت نشرات استثنائية وتعليقات متتالية لمحللين ومعلقين وخبراء، فإنها مرت على خبر الإرهاب في افغانستان كما وانه شيء طبيعي ومقبول ويمكن تبريره، وفي فرنسا مرفوض بالمطلق». يقود استاذ مادة علم النفس في جامعة (فريدريخ شيلير) البروفسور فولفانغ فرينديته فرقة بحثية تتولى دراسة علاقة بين محتوى المادة التلفزيونية، وطريقة تلقيها من المشاهدين وبين الخوف من الإرهاب، ويتضح من الاستنتاجات التي توصل اليها البحث «بأن المادة التلفزيونية بمختلف أشكالها التي تعالج مسألة الارهاب في قنوات التلفزة الخاصة تحتوي على درجة أعلى من الدرامية مقارنة بالقنوات الرسمية، فهي تبث لقطات لضحايا او جرحى، او تتحدث عن ضحايا وخسائر كان يمكن ان تحدث فيما لم تنجح السلطات الامنية بإحباط هجمات اخرى في فترات سابقة وتبث مع التعليق تسجيلات مصورة تتضمن لقطات لضحايا عمليات ارهابية وقعت في مدن اوروبية مختلفة، ما يعكس تأثيرات قوية على نفسية مشاهدي هذه القنوات الخاصة، ويحدد ويصيغ شكل وجوهر تصوراتهم عن الارهاب». وبرأي فرينديته «الموت في حادثة سير الآن أكثر احتمالاً مما في عملية ارهابية، غير ان الناس لا يعيرون اهتمامهم الى البيانات التي تحصي اعداد الموتى في الطرق العامة». وأضاف: «لا يمكن ابداً تصور أن الخطر الفعلي يتطابق مع الشعور او الاحساس بالخطر، ولكن عندما نجلس امام التلفزيون في المساء تغادرنا الحجج العقلانية تاركة مكانها للهواجس والمخاوف لأن الاخبار المخيفة تصيبنا بالهلع والذعر وتعيقنا عن التفكير السليم والمنطقي». الفضاء الافتراضي للإرهاب الميديا الجديدة، وشبكات التواصل الاجتماعية تحولت الى فضاء مفتوح لنقل اخبار وتفاصيل العمليات الارهابية من دون رقابة ذاتية وفي شكل أسرع من الميديا التقليدية وحتى ان الأخيرة اصبحت تعتمد عليها في تجميع المعلومات او الآراء التي يكتبها المحللون والخبراء في مجال مكافحة الارهاب على حساباتهم اثر وقوع اي حدث ارهابي، كما وانها لا تغفل ما تنشره المواقع الجهادية ونشرات داعش الاعلامية مثل «أعماق» وما تبثه من تسجيلات مصورة للهجمات الارهابية او احاديث او خطابات يوجهها الانتحاريون الى الناس قبل تنفيذهم العمليات بحيث تعج حسابات المئات بتسجيلات فيديو للارهابيين وبياناتهم وما تثيره من تعليقات مختلفة». يقول فرينديته: «ان أهمية الميديا الجديدة وقوتها الكبرى تتمثل في انتشارها الواسع الذي يتيح سرعة انتقال ما تورده من اخبار وتعليقات وتسجيلات مصورة عبر انحاء العالم في فترة زمنية قصيرة للغاية، وما يزيد في اهمية ما تقدمه من اخبار وتسجيلات انها مادة خام لم تتعرض للمونتاج في القنوات التلفزيونية، او التنقيح واعادة الصياغة او اقتباس اجزاء محددة من المعلومات من قبل هيئات التحرير في وسائل الاعلام المختلفة». يقول الباحث الاقتصادي ميخائيل يتير في حديث مع (الغارديان) البريطانية «نحتاج الى اعادة التفكير في تعلق الصحف بطابع الاثارة عند تناول الهجمات الارهابية، وان نتوقف عن تقديم خدمات اعلامية دعائية مجانية للجماعات الارهابية». وقضى يتير في تحليل ودراسة مقالات صحيفة «نيويورك تايمز» ما يعادل 60 الف يوم وهي منشورات صحافية تناولت الهجمات الارهابية التي حدثت في الفترة من 1970 – 2012، وتوصل الى استنتاج مهم للغاية يكشف العلاقة بين عدد المقالات والتعليقات والمواد الصحافية الأخرى عن عملية ارهابية واحدة، مع عدد الهجمات التي حدثت في الاسابيع اللاحقة لهذه العملية»، مشيراً الى «ان مادة صحافية واحدة في الصحيفة عن عملية ارهابية في دولة معينة أدت الى رفع عدد العمليات الارهابية في نفس الدولة بنسبة تتراوح بين 11 – 15 في المئة ما يساوي في المعدل الوسطي سقوط ما بين ضحية الى ضحيتين يومياً». واظهرت الدراسة ايضاً «ان الهجمات الانتحارية تجذب اهتماماً اكبر من جانب الميديا، ما يمكن ان يفسر برأيه «تعاظم شعبية مثل هذا النوع من الهجمات وسط الجماعات الجهادية والعنفية».