مر رحيل المفكر إيهاب حسن في 10 سبتمبر في صمت مريب، بعد مشوار فكري وأكاديمي مائز وحافل دام 90 عاما. يترجل الرجل بعيدا عن وطنه مصر. شبه مجهول من طرف كثيرين من القراء في العالم العربي. منذ بداية الستينيات عرف عن إيهاب حسن خوضه غمار ما بعد الحداثة، تاركا للمكتبة العالمية أرشيفا نقديا بارزا وزاخرا بالمفاهيم التحليلية المبتكرة. الحصيلة مئات المقالات و17 كتابا في النقد والأدب. لم يترجم منها إلى العربية إلا القليل. وتعتبر ترجمة محمد عيد إبراهيم من أهم وأعمق الترجمات التي تتوفر عليها المكتبة العربية. بالإضافة إلى ترجمة صبحي حديدي وسمير عبدالسلام. ورغم ذلك فأهم مؤلفاته لم تترجم بعد. دخل الراحل المشهد الثقافي الأمريكي منذ عام 1961 حينما نشر كتابه البارز البراءة الراديكالية: دراسات في الرواية الأمريكية المعاصرة. كان الكتاب أساس أطروحاته التي تلت فيما بعد. رغم أن معالم مقاربته كانت مشوشة لكنها سرعان ما أنجلت وتجلت مع تحليله لنصوص ارنست هيمنغواي وتوماس بينشون وصمويل بيكيت وهنري ميلر وموريس بلانشو وتوني موريسون وغيرهم. يعد الراحل من المناصرين للفكر المابعد حداثي بل إنه أحد المؤسسين للمفهوم في سياقه التاريخي والأدبي والفلسفي والسياسي من خلال نماذج مطروقة وأخرى عير معروفة في الأدب الأمريكي والأوروبي. مشيدا بذلك أرضية صلبة ومرجعية لا محيد عنها لفهم مصطلح ما بعد الحداثة. وبذلك أصبح الراحل مرجعا أساسيا وأكاديميا للباحثين جميعهم حتى بالنسبة للذين يعارضون الفكر المابعد حداثي. لم يكن إيهاب حسن مؤمنا بالمسلمات لأنه كان يصاحب أعماله وأطروحاته بالمراجعة والنقد متراجعا أحيانا ومصححا أحيانا أخرى، إذ كان يصاحبه شعور بزيف مفاهيم ومضامين الحداثة مركزا على تناقضها الكبير مع ما بعد الحداثة. ومتجاوزا إياها إلى ما بعد الحداثة نفسها. مستعرضا كلما سنحت الفرصة التناقض واضح بين المفهومين، فإذا كانت الأولى تظهر تماسكا وانغلاقا ونظاما وإتقانا وعقلانية، فإن الثانية تظهر الشكل المضاد والمفكك والمفتوح والفوضوي والمتشظي والمرهق والصامت والغائب والمتفرق والساخر. رحل إيهاب حسن متصالحا مع نفسه، فقد اختار العزلة بعيدا عن الأضواء، منسلخا بذلك عن الانتماء إلى الأصول. وإن كانت جذوره تمتد إلى مصر، بحيث أنه ولد في القاهرة عام 1925 ثم هاجر إلى أمريكا عام 1946. لم يعش الراحل أزمة اغتراب أو هوية بل اعتبر نفسه مواطنا أمريكيا. هذه الإشكالية التي كانت بالنسبة لزميله في المهجر إدوارد سعيد منعطفا تاريخيا وفكريا، كانت بالنسبة لإيهاب حسن فكرة ما بعد حداثية تعني الاقتلاع من الجذور والاستنبات في تربة جديدة دون الإحساس بالاستئصال أو التشظي أو الغياب، بل داخل هذه الأحاسيس يمكن تأسيس شجرة جديدة فروعها التنوع والاختلاف والإنتاج الفكري المتجاوز للزمان والمكان. ولهذا السبب بالذات لم ينل العالم العربي اهتماما كبيرا من طرف الراحل كموضوع للتفكير والتحليل. لهذا أيضا لا يمكن اعتبار الراحل مؤسسا لما بعد الحداثة العربية. وإن أدرج في بعض المقالات العربية على هذا الأساس، فإن ذلك انزياح عن حقيقة علمية مفادها أن إيهاب حسن هو مؤسس المابعد الحداثة في أمريكا لا في العالم العربي. ومن ثمة اتخذ كمرجع مفاهيمي وتحليلي غربي. ونسوق هنا مثال الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار الذي يعترف بريادة إيهاب حسن ومرجعيته التأسيسية للعديد من المفاهيم والتصورات التي تداولها عدد من المفكرين الذين نظروا وحللوا لمابعد حداثة في العمارة والتشكيل والأدب والفلسفة. وفيما يلي نقدم شهادتين مهمتين الأولى للمترجم المصري محمد عيد إبراهيم الذي ترجم كتاب إيهاب حسن «دورة ما بعد الحداثة»، والثانية للدكتور أماني أبو رجمة المتخصصة في الفكر الما بعد حداثي تأليفا وترجمة.