قامت إحدى المجلات البريطانية بلقاء مئة شخص من عينة عشوائية وطلبت منهم أن يكملوا الجملة التالية بأول إجابة تخطر ببالهم: «معظم الناس ... ». والمثير للعجب هو أن الأغلبية الساحقة من الإجابات كانت «سلبية» بنسبة 94%، على شاكلة «معظم الناس مخادعون أو كاذبون أو أغبياء أو منافقون أو غدارون»... وهكذا. هل هذه نظرة تشاؤمية لطبيعة العنصر الإنساني؟ أم أنها نظرة فوقية لا يرى الإنسان نفسه فيها بمنظار واقعي فيشعر بأنه «أفضل» من «معظم» الناس؟ أم هي فعلا الحقيقة المؤلمة التي نحاول التعايش معها؟ منذ صغري وأنا أحب الاستماع لأحاديث الناس ومراقبة العلاقات الإنسانية وكنت شغوفة بالأنثروبولوجي، وكنت ومازلت أهتم بالاستماع إلى تعريف الناس بأنفسهم في المجتمع ومفهومهم الذاتي لمن هم كأفراد.. أستمع للناس يتحدثون فيقولون: نحن طيبون ولكن لا يفهمنا أحد .. نحن شطار ولكن حظنا منحوس.. نحن كرماء والناس يستغلوننا، .. إلخ. وهذا ينسحب على مجالات كثيرة في الحياة فيشعر الكثير من الناس فعلا بأنهم أفضل من غيرهم وأنهم المثاليون القليلون في هذه الدنيا وأما عن الآخرين فهم الاستغلاليون والكاذبون والحقراء. أذكر مقالا قديما للدكتور مصطفى محمود رحمه الله بعنوان «الأغلبية والأقلية» وأنا من المعجبين جدا بفلسفته قال فيه إنه ذهب ذات يوم لمستشفى «دار الفؤاد» لإجراء جراحة وكان جسده مليئا بآثار المشارط، فقد أجريت له أكثر من خمس أو ست وعشرين عملية وحينها سمع من مدير المستشفى أن هناك حربا على ذلك المستشفى من وزير الصحة ومن نقيب الأطباء وتم إصدار قرار بمنع استدعاء أي طبيب أجنبي بريطاني أو أمريكي أو فرنسي أو غيرهم للاستفادة من خبراتهم وذلك حماية للأطباء المصريين. وتساءل الدكتور مصطفى محمود عن مصداقية الحماية مشككا، خاصة أن البعض مازال سيحتاج للسفر والعلاج في تلك البلدان الأجنبية مما سيستنزف الملايين من العملة الصعبة من خزينة الدولة أو من جيوب الغلابى، بينما كان يمكن أن توفر هذه المبالغ بفعل الجراحات في مصر وبالعملة المصرية، كما سيستفيد الأطباء والجراحون المصريون من هذا «الباب المفتوح على العالم» كما أسماه الدكتور بمعرفة التطورات في الطب. وقال المدافعون عن هذا الرأي بأن هذه القرارات ليست فردية تعسفية بل نتيجة لتشاور مجالس ولجان تعقد بأغلبية من الأصوات. وأن هذا شأن الديمقراطية في كل مكان. وقال المهاجمون بأن هذه الأغلبية قد تقع في قبضة أصحاب المصالح ولا يأتي من ورائها مصلحة بل ضرر. فرد عليهم الاتجاه المعاكس بأن خطأ الأغلبية أرحم من تحكم الأقلية وغلبة الفردية. وهنا بدأ جمال فلسفة الدكتور مصطفى محمود فأخذ يدون ملاحظاته قائلا: «في دنيانا الفوز بالأغلبية يوصلك إلى الفوز بكل شيء فأحزاب الأغلبية هي التي تفوز بالمناصب وهي التي تمثل الشعب أكثر وهي التي تمثل وجهات النظر الأكثر عدلا وإنصافا. وأن تكون مع الأغلبية معناها أن تكون مع الحق ومع أهل الصدارة». وهذا كلام معروف وجميل ونعيشه. ولكن لحظات.. انظروا كيف فلسف هذا الدكتور الرائع الموضوع.. مكملا: هذا حال الدنيا.. أما في الآخرة فيعلمنا ربنا أن الأغلبية على ضلال.. وأن الأكثرية في جهنم. فأكثر الناس في القرآن لا يعلمون وأكثر الناس لا يفقهون وأكثر الناس لا يؤمنون وأكثر الناس لا يعقلون.. إن هم إلا كالأنعام بل أضل. ويقول ربنا عن الأكثرية: «إن يتبعون إلا الظن».. فهم على الباطل وهم الأخسرون على طول الخط ولن يدخل الجنة في آخر المطاف إلا الأقلية. يقول ربنا عن هذه الفئة الناجية: «وقليل من عبادي الشكور» ، ويصف الذين على طريق الحق بالقلة في مواضع متعددة. يقول الدكتور مصطفى محمود بأن هذه هي القلة المرشحة للفوز بالجنة. فلا اعتبار للأغلبية والكثرة في الآخرة. وهذا تحليل رائع لمعضلة الأكثرية والأقلية. فكرت عن حالنا وأنا أقرأ هذه السطور. فحينما نشعر بأننا نحن الأقلية ولا يفهمنا أحد فليس ذلك دوما يعني بأننا على خطأ. فربما نكون من الأقلية التي تتبع الطريق الوعر والصعب. وهنا أتساءل، عزيزتي القارئة وعزيزي القارئ ، وبكل صدق، وبلا تأثر من هذا المقال، بماذا ستكملون جملة: «معظم الناس .....» لو طلب منكم ذلك؟.