وكالعادة، ما إن أعلن عن بدء جلسات المحاكمة الدولية الخاصة بلبنان لمقاضاة المتهمين باغتيال رئيس الحكومة السابق «رفيق الحريري»، إلا وبدأ فئة من العرب يتحدثون عن المحكمة وأنها مسيسة تستهدف العرب. وهو نفس الحديث حين طرح اسم رئيس السودان للمحاكمة الدولية، وقبله محاولة الأكراد لجر صدام إلى المحكمة لما فعله بهم، وكذلك الوزير والنيابي والمجرم «إيلي حبيقة» المتورط في مذبحة «صبرا وشاتيلا»، والذي اغتيل في بيروت عن طريق سيارة مفخخة حين قرر الذهاب إلى محكمة العدل الدولية بهولندا، ليصمت للأبد. وكان المعترضون على المحاكمات يطرحون نفس الخطاب «المحكمة مسيسة تستهدف العرب»، ثم يحضرون مجرما آخر «شارون» كدليل، ليقال لماذا لا يحاكم كما يحاكم بعض العرب؟ فيبدأ بعض العرب في جدل مع بعض العرب حول سؤال «شارون» ومحاكمته، ويخلص الحوار إلى تبني غالبية العرب فكرة لا منطقية خرجت من سؤال لا منطقي، مفادها: إن كل من يؤيد المحكمة الدولية ما هو إلا خائن وعميل باع نفسه للخارج. الحق يقال: وإن كان «شارون» مجرم حرب أصدر أوامر بقتل أطفال ونساء وعزل، إلا أنه لا يستطيع أن يفخخ سيارة ويغتال منافسه السياسي داخل إسرائيل، ولن يجرؤ على أن يضرب قرية إسرائيلية بالكيماوي فيبيد ناسها وحيواناته وشجرها، أو يمول قبيلة إسرائيلية لتبيد قبيلة أخرى، أو يتبنى فلسفة التفخيخ والتفجير بخصومه، إذ قانون الدولة سيطاله ويحاكمه، لهذا لا يحتاج الإسرائيليون جره إلى محكمة العدل الدولية. خلاصة القول: على العرب أن يكفوا عن هذا الطرح اللا منطقي أو خلط الأوراق، لجعل محاكمة مجرم مرتبطة بمجرم آخر، وحين لا يحدث هذا يصبح المجرم الأول بريئا، ومن يطالب بمحاكمته عميلا وخائنا. وأن يسألوا أنفسهم: لماذا بعض «اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين الأكراد والسودانيين ووو... إلخ» ، لجأوا إلى محكمة العدل الدولية، ليرفعوا قضية ضد البعض الآخر بعيدا عن أوطانهم؟ أعرف أن الإجابة قد تثير الخجل، لكن هذا السؤال يترك العرب داخل القضية لحلها، أما الأسئلة اللا منطقية تجعل «شارون» مبررا لأن يقتل بعض العرب البعض الآخر دون أن يحاكموا بالداخل أو الخارج، فيما المجرم «شارون» لا يستطيع جرح مواطن إسرائيلي.