بورصة تونس تغلق على ارتفاع    فيتش: خام برنت قد ينخفض إلى 45 دولارًا في 2021 على الرغم من أخبار اللقاحات الإيجابية    إعلان نتائج التحكيم المبدئي في فئة “شلفا #ولي_العهد ” للون “المجاهيم”    الأمير فهد بن جلوي رئيسًا لاتحاد غرب آسيا ل"الترايثلون"    شرطة الرياض: القبض على 4 مقيمين سوريين تورطوا بتضليل العاملات المنزليات ومساعدتهن على الهرب    "الصحة العالمية" تدعو إلى عدم التسرع في رفع القيود لحماية الناس من كوفيد 19    مركز الحوار العالمي يشارك في منتدى القيم الدينية    الجزائر تسجل 803 إصابات جديدة بفيروس كورونا    «أرامكو»: عودة الأعمال بشكلٍ طبيعي وكامل في محطة توزيع المشتقات البترولية ب«جازان»    سلطنة عمان ترحب بالبيان الصادر من دولة الكويت حول النتائج الإيجابية لجهود المصالحة    تسارع وتيرة الوباء ودول توضح خطط التلقيح    رازفان و السومة و بخاري والعمري حصدوا الأفضل لشهر نوفمبر    نخبة فرسان القفز يتنافسون على كأس أمير الرياض غدًا    الأمين العام للجامعة العربية يرحب بكل الجهود المخلصة لرأب الصدع العربي    مركز التطوع ب #وزارة_الصحة يشكر الغبيري لتقديمه 380 ساعة تطوع    43 يوماً من تصريح ولي العهد.. السعودية أنموذج للذكاء الاصطناعي في العالم    تبوك تحتفي باليوم العالمي لذوي الإعاقة    ضبط مواطن تسبب في تجمع مخالف بإحدى صالات الأفراح في رفحاء    بومبيو: علينا التصدي لميليشيات إيران التي هي من نواقص الاتفاق النووي    32 بابا ومسارات للطواف لذوي الإعاقة في المسجد الحرام    30 نقطة تضمن البقاء في شوط المحترفين بمسابقات الملواح في "مهرجان الصقور"    ساحات المسجد الحرام تنظم دخول المعتمرين والمصلين عبر 15 مسارا    «الزكاة والدخل» تعلن دخول لائحة الفوترة الإلكترونية حيز التنفيذ    "نحو مليون متطوع ".. ندوة بجامعة شقراء بعد غد    الخارجية الفلسطينية تحذر من مخاطر المخطط الاستعماري الإسرائيلي في القدس    وزير الخارجية الألماني: العودة إلى الاتفاق بشأن النووي الإيراني لا تكفي    ضمك يواجه الأهلي.. والباطن ينتظر التعاون.. والفيصلي يترقب العين    التنبيه بهطول أمطار رعدية على محافظات مكة    جامعة طيبة تعلن فتح القبول في الدبلومات لحملة الشهادة الثانوية وما يعادلها    «الأرصاد» تتوقع: هطول أمطار رعدية على هذه المناطق    الإثارة تتواصل في الصقور 192 صقاراً يتنافسون على 6 أشواط    خطيب المسجد النبوي: الاستهانة بالمعاصي سلوك مذموم وتهويل حالة المذنب تيئيس وقنوط    المملكة توقع اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية زيمبابوي    الناخبون الكويتيون يتوجهون غداً لانتخاب أعضاء مجلس الأمة وسط احترازات صحية    رابطة دوري فُرق أحياء الرياض تحدد النهائي    محافظ #حبونا يشهد توقيع عقود شراكة بين جمعية ليث وعدد من الجهات    خادم الحرمين وولي العهد يهنئان ملك مملكة تايلند بذكرى اليوم الوطني لبلاده    الصحف السعودية    بالأسواق والميادين.. تفعيل حملة «الصلاة نور» بمكة المكرمة    الحجز المسبق والتكرار تستأنفان الأنشطة حضوريًا بفنون الأحساء    لماذا الأطفال يعملون.. والأم بالبيت ؟    ولي العهد يشكر ابن هزاع    كيف استطاعت السعودية التحول إلى عالم المال الرقمي ؟    هل يعود نيمار إلى برشلونة ؟    فيصل بن مشعل يشكر ولي العهد على ترميم وتطوير 4 مساجد تاريخية بمنطقة القصيم    «العقاري» يدعم 340 ألف أسرة ويعتمد الموافقة الفورية على القروض    الديوان الملكي ينعى الأميرة حصة بنت فيصل    ترامب يؤكد للسيسي قيمة "الشراكة المثمرة" مع مصر meta itemprop="headtitle" content="ترامب يؤكد للسيسي قيمة "الشراكة المثمرة" مع مصر"/    96 % من منتجات متاجر بيع الحلويات مطابقة للمواصفات    القيادة تعزي رئيس «السيادة الانتقالي» بالسودان في الصادق المهدي    الديوان الملكي يعلن وفاة الأميرة حصة بنت فيصل بن عبدالعزيز    رجل الأعمال زين الدين عبد المجيد في ذمة الله نتيجة اصابته في فيروس covid 19    السياحة لن تكون كما كانت قبل " كورونا "    لمنظمة الصحة العالمية، تدعم قرار السعودية بشأن إقامة الحج بأعداد محدودة    تخريج 8952 طالبًا وطالبة من جامعة تبوك    مساجد وجوامع المدينة تستعد لاستقبال المصلين    صدور أمر خادم الحرمين الشريفين بالموافقة على تمديد العمل بمنع التجول وذلك وفق معدلات ومؤشرات انتشار فيروس كورونا الحالية وحتى إشعار آخر    96 مشاركا ومشاركة يمثلون 24 فريقاً يتنافسون في مسابقة (حاور) عن بعد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فيليب دي طرازي وعصر العرب الذهبي
نشر في عكاظ يوم 23 - 10 - 2020

كتب الفيكونت فيليب دي طرازي ذات مرة متحدثاً عن أثر الحضارة في تاريخ العرب قائلا: «تذوق العرب لذة الحضارة؛ فارتقت أحوالهم، ورقَّت طباعهم، وانسجمت عباراتهم، وما لبثوا أن أهملوا استعمال الغريب في محادثاتهم، ونبذوا وحشي الألفاظ في كتاباتهم، واستأثروا بالفصيح البليغ في مخاطباتهم وتصانيفهم، وشرعوا يؤسسون في كل صقع من أصقاعهم مدارس عالية ومكتبات غنية فاخرة، فابتنوا «بيت الحكمة» ببغداد، و«مدرسة طليطلة» بالأندلس، ثم شادوا «دار العلم» بالقاهرة. وعلى هذا النمط انتشرت المدارس والمكتبات في المدن والدساكر، وأضيفت إليها كتاتيب لا تُحصى بجوار الترب والجوامع؛ فتيسرت دواعي التثقيف والتهذيب للخاصة والعامة».
يعد الفيكونت فيليب دي طرازي من أكثر النماذج الحديثة وضوحاً وإشراقاً في خدمة الأدب والثقافة العربية، والعناية بهمومها وكتبها، وخزائنها، وخدمة أهلها، وقرائها، وبذل الغالي والنفيس من أجلها. قدم طرازي مشاريع علمية كبرى، وموسوعات وأعمالاً رصينة أصيلة ضخمة، تعجز اليوم المجمعات العلمية والمؤسسات بطواقمها وأساتذتها أن تقدم مثل هذه الجهود الكبيرة التي أبدعها فرد واحد.
الفيكونت فيليب دي طرازي الشغوف بتاريخ العرب، الراهب الناسك في محراب الثقافة العربية، هو من أبرز علماء وأدباء لبنان في العصر الحديث، من رواد الإصلاح والنهضة العربية، «ولد في بيروت عام 1865، لأسرةٍ مسيحيَّة سريانيَّة متدينة، وكان أبوه وأعمامه قد هجروا حلب عامَ 1850 واستقرُّوا بلبنان. درس بالمدرسة البطريركيَّة مدةَ سنتين، ثم الْتَحَق بكلية «الآباء اليسوعيين»، وتعلَّمَ إلى جانب العربيَّة اللغاتِ اللاتينيَّةَ واليونانيَّةَ والإيطاليَّة».
طرازي هو سليل أسرة مسيحية عريقة في خدمة دينها وكنيستها، فوالده نصرالله أنطون طرازي له شأن كبير في خدمة الأعمال الخيرية المسيحية، وقد منحه بابا الفاتيكان ليون الثالث عشر براءة بابوية بلقب (كونت) تقديراً لأعماله الخيرية، فورث فيليب هذا اللقب عن والده.
جاءت جهود طرازي في خدمة الثقافة العربية جليلة كبيرة القدر، بل وفي خدمة الكتاب العربي، والصحافة العربية، وتسهيل الطريق للباحثين والقراء للوصول إلى خزائن الكتب والمخطوطات.
كما «صرف جهوداً كبيرة لتأسيس دار الكتب الوطنية في بيروت، وبذل الكثير من ماله ووقته، وسافر إلى أوروبا على نفقته الخاصة وجمع آلاف الكتب من معاهد الأدب والمؤسسات الثقافية والمجامع العلمية، ونقل مكتبته الخاصة التي تضم نفائس الكتب المخطوطة والمطبوعة ومجموعة كبيرة من المجلات والجرائد إلى الدار لإغنائها. وفي يوليو 1922 احتفل رسمياً بتدشين الدار، وعُيّن أميناً عاماً لها حتى عام 1940. اهتم أيضاً بجمع الأعداد الأولى من المجلات والجرائد التي ظهرت في لغات عدة منذ عام 1889 ورتّبها حسب تسلسل صدورها. وله مجموعة احتوت على خطوط مشاهير الرجال والنساء في الشرق من ملوك وأمراء وسلاطين ووزراء وعلماء وأدباء وشعراء ورجال دين». (انظر: الموسوعة العربية، يوسف عبدالأحد).
لكن أشهر جهود الفيكونت طرازي هو كتابه «تاريخ الصحافة العربية»، الذي يعد أهم مرجع حتى اليوم في بابه، وأشهر مصنف في فنه، فهو موسوعة تاريخية جمع فيها المؤلف آلاف المعلومات والوثائق متتبعاً كل شاردة وواردة من الصحف والجرائد والمجلّات التي ظهرت في المشرق والمغرب وأوروبا طيلة القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين؛ حيث عدّ قرابة ألف وتسعمئة جريدة ومجلّة. وما زال كتاب طرازي في تاريخ الصحافة العربية من أهم المصادر الأساسية في أقسام الإعلام بالجامعات العربية، والسعودية أيضاً. ليس هذا فحسب بل قدم طرازي موسوعة أخرى لا تقل أهمية عن سابقها، وهو كتاب «خزائن الكتب العربيَّة في الخافقين»، في أربعة أجزاء، يعد من أنفس ما كتب في تاريخ التدوين والكتب عند العرب، وخارطة مفصلة لخزائن الكتب والمخطوطات العربية في العالم، في بيوتات الأدباء والمستشرقين والوجهاء، وخزائن الجوامع والدور.. كما تتبع سير عشاق الكتب والمكتبات في التاريخ الإسلامي، وتاريخ التدوين والوراقين، ورسوم الخطاطين والنساخين، وأصنافهم وطبقاتهم، في عمل موسوعي مذهل قل أن تجد له نظيراً.
تتوالى الكتب والمؤلفات الثمينة التي قدمها طرازي للمكتبة العربية، منها كتابُ «تاريخ الدولة المصريَّة في عهد السلالة المحمديَّة العلويَّة»، الذي يعد باكورة مؤلفاته، حيث قدَّمه مخطوطًا إلى الخديوي عباس الثاني بمصر عامَ 1899. كما كان له ديوانا شعر، نشرا باسم: «نفحة الطيب» و«قُرَّة العين». وله كتبٌ مطبوعة عديدة، منها إضافة لما سبق، كتاب «اللغة العربيَّة في أوروبا»، و«أصدق ما كان في تاريخ لبنان». بالإضافة لعددٍ من المخطوطات، منها: «ترويح الأنفس في ربوع الأندلس»، و«كشف المخبَّآت عن سارقي الكتب وأعداء المكتبات»، و«تاريخ نابوليون الأول».
وله كتاب صغير اسمه «عصر العرب الذهبي»، يكشف لنا فيليب طرازي عن سر ولعه بالثقافة والإرث العربي، تلك الأمة التي قدمت للعلم وللإنسانية تراثاً وأثراً ما زال قائماً حتى اليوم. فبعد أن استعرض طرازي أهم ملامح عظمة العصر الذهبي للعرب في عهد الخليفة العباسي المأمون، الذي شهد ازدهاراً واسعاً في العلوم والترجمة والطب والتأليف، ختم قائلا: «إن ذلك كله يدل دلالة واضحة على ما بلغت إليه النهضة العربية في عصرها الذهبي من المقام الرفيع لا ما بين الأمة العربية فحسبُ بل ما بين أمم العالم طُرًّا. تلك حقيقة جلية ناصعة أيَّدها كل من له إلمام بتاريخ العرب وآثار خلفائهم وأخبار أعلامهم وأدبائهم. فسبحان الله الرزاق الكريم وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».
إن نموذج الفيكونت فيليب دي طرازي خير دليل على رقي تلك الحقبة العربية الجميلة التي زخرت بخيرة أدباء العرب ومثقفيهم في العصر الحديث، حين كانت الثقافة العربية ثرية غنية متجددة، وكان الأدب العربي طريقاً نهضوياً يجمع العرب ويوحدهم بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم، وطوائفهم.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.