تُرى من أين تتأتى البهجة لمن يرتاد (الفوّال)!؟ هذا الفضاء البدائي الذي يفتقر، من منطلق الوصف الموضوعي، إلى الترتيب والنظام والنظافة والتجانس. وكيف يمكن لطبق الفول الشعبي أن يكون على تلك الدرجة من الجاذبية، وهو يُقدَّم في فضاء مكاني خال من اللمسة الديكوراتية الراقية!؟ حيث يمكن ملاحظة منسوب الازدحام بين الزبائن الذي يقترب من حدّ الفوضى. وعلى الرغم من ذلك تجد كل الوجوه مبتسمة وسعيدة بوجودها في حفلة تعوزها أبسط قواعد الترتيب والأناقة. حيث تشكل الفوضى عنصراً بنائياً ووظيفياً في ذلك الفضاء. الفوّال بوتقة اجتماعية صاهرة. إذ يتدافع عنده الطالب المتسرب من مدرسته، والموظف الهارب من دائرته، والضابط المنتهية نوبته، والمثقف الممتلئ بالحنين إلى الشكل الأكثر واقعية للحياة. كل الفئات المجتمعية بمختلف اهتماماتها ومراتبها تتناسى وضعها الاجتماعي لتجلس على الطاولة ذاتها. وسط صراخ الزبائن ونكهة الفول التي تملأ أرجاء المكان. حيث يتساوى الجميع أمام إغواء هذا الطبق المتقشف. وكأن كل واحد منهم يؤدي فروض مغامرة حسّية. بنزوات غير مقنّنة. وهذه هي جماليات الفضاء الشعبي، الذي يبدو ناطقاً بدلالاته، مكتسباً جاذبيته من كونه ضيقاً وقديماً ومأهولاً ومكتظاً بالحيوات. وإذا ما تم الاحتكام إلى معادلة الإنسان ووعيه بالمكان، يمكن القول إن الفوّال كفضاء مادي، مؤسس بالعلامات والإشارات والقياسات التي تمسح الفوارق بين الناس. ومؤسس كفضاء دلالي على الأحداث والذكريات ومشاعر الشخصيات التي تتزاحم فيه. بمعنى أن تلك الأبعاد هي التي تصنع سياقاته، وتضفي عليه شاعرية متأتية من ضروراته الداخلية اللا متسقة. الأمر الذي يُشعر مرتادي الفوّال بحرية التعبير عن الوجود، والتخفّف من كل قيود الانضباط والتصنّع. حيث تفرض سيولة المكان والزمان سطوتها الجمالية على كل المتدافعين في ذلك الفضاء. الفوّال ليس فقيراً من الوجهة الدلالية. فهو من الفضاءات التي تحرك وظائف المكان في علاقة متنامية ما بين الشخصية التي تعادل الزبون هنا، وبين المواقف والزمن. بمعنى أنه الوعاء الذي تتولّد فيه القيم الرمزية، بحيث يتحول كل ما فيه إلى مادة حياتية قابلة للسرد والاستعادة. وهو ما يعني أن لهذا الفضاء سمة شعرية، متولدّة هي الأخرى، من الفضاء اللفظي المتداول، ومن العلامات اللا لغوية أيضاً، أي المعجم الأدواتي المحسوس الذي يوحي بالبساطة. على هذا الأساس الاستثنائي يتم تشييد فضاء الفوّال كمبنى وكمعنى أيضاً. فهو أكثر من مجرد صالة طعام. حيث تتراكم العلامات في محتوى اجتماعي تتشكل فيه المواقف والأحداث والقصص. بحيث يتحول هو ذاته إلى عنصر من عناصر الحكاية وليس مجرد فضاء تتأسس فيه. وكأن كل من يدخل فيه، إنما يفعل ذلك من أجل ابتناء قصة ومراكمة ذكريات. حتى كوب الشاهي، الذي يكون في الغالب من أرخص الأصناف، ومعدّاً باستعجال وبدون عناية، يكون له طعمه المستفز للحواس. يحدث هذا لأن المكان، أو ارتياده بمعنى أدق، يتحول إلى حدث. وهو، وإن كان من اليوميات التفصيلية الصغيرة، إلا أنه يكتسب طابعه الدرامي، الذي يتحول بصورة غير مفهومة إلى شكل من أشكال العيد. ربما لأن الشخص الذي يجلس قبالة صحن الفول، يتخفف بالضرورة من أعباء النفي والانفصام الذاتي. ويتحول حينها ذلك الطبق بكل ما يمتزج فيه من بهارات لاذعة إلى مرآة عاكسة لرغبات الذات الحقيقية. إذ لا يخلو طعم الفول من غموض مؤلب. الفوّال قصة أكثر من كونه مطعماً متخصصاً في تقديم أكلة شعبية. ولأنه قصة، لا بد أن تحدث في داخله حكايات صغيرة. وبالضرورة، لا بد أن تلتقي الشخصيات المقيمة فيه ببعضها لتتولّد الحالة الدرامية، بالمعنى الأرسطي. إذ لا يمكن أن يكون هناك دراما ما لم تتفاعل تلك الحيوات التي تتقابل على طاولات مهترئة، وتجلس على كراسي آيلة للسقوط. وهذا هو بالتحديد ما يضفي شيئاً من البهجة على المكان. فكل واحد لديه قصة يرويها لنديمه. ولا حاجة لاستراق السمع. حيث يمكن سماع معظم الحكايات البسيطة، وفرز الأصوات المتداخلة بمتعة حسّية. وأحياناً التدخل في مسار قصة مروية على لسان أحدهم، فالفضاء مفتوح، والكلام خالٍ من التشفير. إنه فضاء يتسع ويتمدد بالحكايات المتداولة فيه وبالتسامح والتشارك العفوي. حيث تتوحد الصفة الاجتماعية بالصفة المكانية لتنتج تلك العلاقة الشعورية الأخاذة ما بين الشخص والمكان. إلى درجة توحي بالطمأنينة والاستئناس. وكأن الفوّال قد صار بمثابة الامتداد الطبيعي للبيت. إذ تتراجع الهندسة المكانية لصالح السمات الدلالية. وعليه تتوحد شخصية الزبون بفضاء الفوّال. من خلال علاقة تبادلية تسمح للشخص باختراق نسيج المكان، والتماس الفاعل مع الزبائن. وبفعل ذلك التراكم تتحول وجبة الفول البسيطة إلى مفهوم مزدحم بالعلامات العاطفية والدلالات الحسّية. الفوّال ليس فضاءً طهورياً ولا أخلاقياً. وهو لا يقدم نفسه على هذه الشاكلة. على عكس بعض الفضاءات التي تبالغ في الأناقة أو الروحانية، التي تدفع بمرتاديها إلى شيء من الامتثالية. وهو ما يعني أن غياب الضوابط والتزمّت والتصنُّع في فضاء الفوال هو ما يشجع على أن تتمثل الذات حضورها ولا تلجأ إلى التمثيل. الأمر الذي يضفي الكثير من الراحة على الشخص. حيث لا توجد تلك المسافة الشاسعة ما بين البناءين النظري والواقعي لهذا الفضاء، الذي لا يحبس زبائنه في بروتوكولات ضاغطة. ولا يمكن بحال أن يكون امتداداً لأي شكل من أشكال الإقامة القسرية أو المؤسسات التعقيمية كالمدرسة أو الجامعة أو السجن أو مقر العمل. بل يقدم نفسه كفضاء من فضاءات الإقامة الاختيارية. وهنا سر جاذبيته. حيث تكون اللقمة مغمّسة بطعم الحرية. * ناقد