عزيزي رئيس التحرير ابتلى بعض الكتاب العرب في كتاباتهم الموجهة للشريحة الكبرى من قراء مجتمعنا بالزج بالمصطلحات الفلسفية في مقالاتهم حتى ولو ادت لزيادة غموض مقالاتهم وضبابية الهدف منها متناسين ان من الواجب على الكاتب ان يجعل ما يكتب واضحا لقرائه متناسبا مع طبيعة ثقافة الشريحة الكبرى مثلما يحب هو ان يكون قراؤه على قدر من الثقافة يؤهلهم لفهم ما يكتب، ومتناسين ايضا ان المصطلحات الفلسفية بشكل عام قد حورت معانيها باستمرار على مر العصور عن دلالاتها الأساسية على يد أغلب الجماعات الفلسفية فأضحت لعبة يديرها كل كاتب في الاتجاه الذي يناسبه، يا سادة نحن اليوم احوج ما نكون الى الكتابة العلمية السهلة فقد رأينا كيف ان الفلسفة (كما نعرفها من بعض كتابنا كأسلوب في التحاور وليس كعلم) ما زادتنا الا فرقة وتشعبا وتشتيتا لأفكارنا وضياعا لأوقاتنا، الاسلوب السهل والمعاني المتناولة هي التي تأسر القراء وتجعلهم اكثر تأثرا وتفكرا فيما يكتب لهم، والحق يقال ان لدينا الكثير من الكتاب لهم اسلوب علمي او بسيط كفل لهم شريحة لايستهان بها من القراء المثقفين، لنفكر بثقة قليلا لنجد ان ارسطو وافلاطون وماركس ودي تريسي و وليم جيمس وحتى الفلاسفة المتأخرين الذين تدفقوا الى عالمنا واتخموه بمتناقضات الفلسفة لم يجتمع لهم من جوانب العلم والثقافة ما يجتمع لأحد اطفالنا اليوم، فقد بتنا اكثر فهما للكون والظواهر الفيزيائية والطبية والنفسية ثم ان لنا منهاجا ارتضاه لنا خالقنا قبل هذا وذاك، واذا نحن اقدر على بناء فلسفتنا الخاصة والتي تتناسب مع ثوابتنا الدينية والاجتماعية وبشكل يخدم الجانب العلمي لدينا ويحفز التطور الى الافضل فكريا وعلميا. ان الكتابة بالاسلوب الفلسفي الذي يميع المعاني ويشتت الافكار لا نفع منها اذ هي مبنية اصلا على ما لا دلالة واضحة له، كلمة (الايديولوجيا) مثلا تطور مفهومها من (علم دراسة الأفكار) ثم اضحى مع الوقت يطلق على اي نظام شامل من المفاهيم والمعتقدات يميز سلوك ومواقف وآراء جماعة او حتى فرد من الناس، لكن تم توظيف هذا المصطلح بهذا المعنى بشكل سيئ فأضحى ذو دلالة سلبية على نظام ما أخلاقي او ديني او اجتماعي او سياسي تستخدمه جماعة او افراد لخدمة مصالحهم بفرض مفاهيم ومعتقدات خاصة، والآن يراوح بعض الكتاب اليوم بهذا المصطلح بين المعنيين مما جعله ضبابي الدلالة فهو احيانا تهمة ومنقصة وسمة لكل من يقف حائلا دون التطور واحيانا مزية وفضيلة وسمة لفكر متطور معين وهذا من أعاجيب الفلسفة (الديالكتيك) مثال آخر على الاستخدام الخاطىء للمصطلحات الفلسفية اذ هي كلمة يونانية الأصل مشتقة من ديالكو ومعناها المناظرة و المباحثة وكانت تطلق بشكل خاص على الاسلوب الفذ للعالم اليوناني سقراط في النقاش في مناظراته واليوم اصبح بعض الكتاب هداهم الله يلمزون بهذا المصطلح من يتهمونهم بالجدل الذي لا طائل تحته ولا نفع منه وشتان بين المعنيين ولكن في الفلسفة المعاصرة أضحى التناقض سمة لا تفارق اصحابها، هذا ان صح انتسابهم اليها، و"الميتافيزيفية" وما ادراك ما الميتافيزيقية، اذ هي تعريب للكلمتين اليونانيتين (تامتا تافوسيكا) أو (ميتا فيزيك) - ولو لم تعرب لكان اسلم نطقا ومنطقا - ومعناهما ما وراء الطبيعة أي علم الإلهيات والذي يلي في ترتيبه بين مؤلفات أرسطو علم الفيزياء وتعسفا أضحت اليوم تترجم بالغيبيات ويطلقها البعض على الخرافات واللغو الذي لا فائدة فيه والدلالة تعتمد على فكر الكاتب فهو قد يقصد به غيبيا أو رأيا خاصا أو توسعيا وإسهابيا او فكرة جريئة او لغوا اولا معنى له او عام او استنتاجا يحتمل الخطأ والصواب وهكذا من المعاني التي لا حصر لها. البراغماتية (الذرائعية) والدادية (الاحتجاج الفوضوي) والدغماتية (التعصب الشديد) و الشوفينية (الغلو في الحب).. مصطلحات ما أغنى الكتاب الذين انتهجوها في دلالاتهم عنها وما أغنانا عن ضبابيتها وعدم رسوها الى معنى تطمئن اليه عقولنا حتى صرنا نتهم هؤلاء الكتاب بأنهم يتعمدون الا يكونوا على درجة كافية من الوضوح او انهم يبزون الآخرين بمعرفتها كأنما قد تميزوا بالتحدث بلغات غير التي نعرف أو انهم ذوو ثقافة مشوشة ولا تستند لا الى علم ولا منطق ولكن ربما كان السبب في استخدامهم الدائم لتلك المصطلحات هو ان اغلبهم كان يتعامل معها بكثرة اثناء مرحلة دراستهم الجامعية حيث تتداخل علوم الفلسفة البائدة مع مناهجهم الأدبية، ولكن هل نحن بحاجة الى فهمها؟ أشك في ذلك. المهندس ممدوح محمد بن شمسة الظهران