يعرض الشاعر والناقد محمد الحرز نفسه على أنه كائن كتابي غير مكترث بجنسه الكتابي، ولا بتصنيفه بأنه منتمٍ لجنس معين، فهو ينتمي للكتابة وحدها أولاً وأخيراً، ربما كان ذلك مدخلاً إلى التباس عوالمه ببعضها، فالنقدي لا يخلو من شعرية، والشعر لديه، لا ينفك النقد عن ملاحقته، ربما منذ طفولته التي لم تكن مستقرّة، لا في الأحساء ولا في البحرين، وُسِمَتْ روحه بحمى اللا استقرار، فهو الممسوس «بالقلق الوجودي» في شعره، والمستجلب «للمآزق والإشكاليات» لكتاباته النقدية. إلى تفاصيل الحوار مع صاحب دواووين «رجل يشبهني» و»أخفّ من الريشة أعمق من الألم» و»أسمال لا تتذكر دم الفريسة» والكتاب النقدي «شعرية الكتابة والجسد». فيما يلي جزء من حوار مطوّل لي معه نشر في مجلة دارين، تنتقي (اليوم) مقتطفات منه، فإلى التفاصيل: شعرٌ ملتبس بالنثر أو نثر ملتبس بالشعر، هكذا توصف كتابتك الشعرية أحياناً، لماذا يقع هذا الالتباس؟ وهل يهمك كثيراً تصنيف نصوصك على أنها شعر؟ أم أنك لا تمانع لو وصفت كتابتك بالنصوص المفتوحة؟ - مفهوم الالتباس في الكتابة هو مفهوم واسع ويأخذ شكل الضبابية نوعا ما، لكن منذ بداية كتاباتي كنت مهجوساً تماماً بمسألة الكتابة، وليس بتجنيس الكتابة، الكتابة الممزوجة بالإبداع من جانب والكتابة الفكرية المجردة نوعاً ما من جانب آخر، هذا الصهر والاندماج ولد منطقة يمكن وصفها بأنها «لا يمكن تصنيفها أجناسياً»، بمعنى أنني عندما أكتب المقالات فأنا مهجوس بالجانبين الإبداعي والفكري مندمجين مع بعضهما، لكن التجربة الشعرية لدي أخذت منحى مختلفا تماماً، إذ أنها قفزت من منطقة إلى منطقة أخرى حتى تخلصت مؤخراً مما يمكن أن أسميه «النثر الفكري» المشوب بالقضايا الفكرية والفلسفية المجردة، هذه السمة توجد بالتحديد في ديواني الثاني، قفزت سريعاً عن هذه الرؤى وطمحت في التجربة الأخيرة أن أذهب إلى منطقة ربما لم تتخلص كثيراً من النثر ولكنها تطمح أن تكون شعراً خالصاً من جهة ما. هل تمانع لو وصفت كتابتك بالنصوص المفتوحة؟ - لا يهمني كثيراً أن أصنف شاعراً ولا مفكراً أو كاتب مقال، ما يهمني أكثر هو كوني قارئاً أكثر من كوني كاتباً، ما أقرؤه بالنسبة لي أهم كثيراً مما أكتب، وهذه النقطة تجعلني دائماً في بحث وقلق حول المعرفة ومساربها وتعدداتها، أما التصنيف فيهم المتلقي أكثر مني. لكن، إلى أي مدى تجد نفسك منتجاً للأفكار بالإضافة لكونك قارئاً لها؟ - لا أصنف نفسي منتجاً للأفكار، بالمفهوم الذي أعرفه على الأقل، فإنتاج الأفكار يحتاج إلى سياق ثقافي مختلف تماماً عن المناخ الثقافي الذي نعيشه، هناك عوامل موضوعية لا تستطيع أن تخرج منها وتنتج من خلالها أفكاراً مبدعة ترتبط بالثقافة المطروحة أمامك، بالنسبة لي، أعتبر نفسي شارحاً للأفكار، ربما هضمت نوعاً ما الأفكار الرئيسية للفكر الفلسفي العالمي، وأغلب نظرياته وأطروحاته، ولكن أن أنتج أفكاراً مبنية على هذا الفهم فهذا ما لم نصل إليه، لست أنا فقط ، بل على مستوى الساحة، لا يوجد من ينتج أفكاراً إبداعية، سواءً على مستوى الأدب أو النقد أو الفلسفة، نحن شرّاح للفكر لا أقل ولا أكثر. ألا يوجد في الساحة السعودية من ينتج أفكاراً؟ - لا. أبداً؟ - مبيّئة، بمعنى أنها مستنبته من أرض ثقافية ذات صلة بالثقافة المحلية، لا، لا يوجد. ما الذي عنيته ب»الكتابة الفكرية المجردة» هل لك أن توضح هذا المصطلح؟ - هي انهمام بالمسألة الفكرية المجردة بكل معانيها أي أنك حين تكتب في مجال الفكر فأنت مرتبط بمجموعة من المفاهيم والمصطلحات التي تبقى رؤى مجردة لا يمكن أن تكون ذات لغة شاعرية مجسدة في الواقع، لكنها تبقى ضمن مفاهيم فلسفية محصورة في إطار فلسفي. هل تعني «الكتابة الفكرية المجردة» بشكل من الأشكال، أنك غير مهتم بالوقائع والأحداث الواقعية؟ - من طبيعة الكتابة الفكرية أن تكون مجردة، سواءً أكنت تتحرك في إطار الأسلوب الفكري المجرد أو حتى الأسلوب الفكري القريب من أسلوب الكتابة الشعرية، يبقى بأن المنطقة التي تحاول أن تشتغل عليها هي منطقة فكرية لا تمس إطلاقاً اللغة المجسّدة الشاعرية، بل تبقى أفكارا ورؤى قابلة للتحول إلى الحالة الإبداعية. ولكن أين تكمن صلة كتاباتك بالواقع؟ - كل ما أكتبه فكرياً هو ذو صلة بالواقع، سواءً كنت أحلل قضايا اجتماعية أو سياسية أو ثقافية فهي ذات صلة بالواقع وأزماته ولا يمكن أن تخرج منه، وعندما أقول «فكر فلسفي مجرد» فأنا أستخدم الأسلوب الفكري بمفاهيمه ومصطلحاته ولكن القضايا تبقى هي القضايا المرتبطة بالواقع.