في تطور يعكس تذبذب مسار الدبلوماسية بين واشنطنوطهران، ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة وفد أميركي إلى باكستان كان مقرراً أن يضم المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وذلك قبيل محادثات كانت تُعد جزءاً من جهود إعادة إطلاق التفاوض مع إيران. ويأتي القرار عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد، وفي ظل مساعٍ لعقد جولة جديدة من المحادثات بين الجانبين. وأوضح ترامب أن الإلغاء جاء بسبب الموقف الإيراني، مؤكداً في الوقت ذاته إمكانية استمرار التواصل عبر القنوات الهاتفية، دون إغلاق الباب أمام الدبلوماسية. وكان عراقجي قد وصل إلى إسلام آباد في وقت سابق أمس وسلم المطالب الإيرانية. لكن الجانب الإيراني يظهر بأعلى قدر من التناقض المدار: وزير خارجية في المدينة نفسها، ومتحدث رسمي أعلن رفض اللقاء المباشر، وخطاب موحد يبدو متسقاً من الخارج، لكنه يخفي في عمقه صراعاً بين مؤسسات الدولة الإيرانية لا يزال غير معلن. في هذه الأجواء الملتبسة، تجري إعادة رسم خريطة الضغط الدولي حول مضيق هرمز، الذي لم تعبره خلال ال24 ساعة الماضية سوى 5 سفن، في الوقت الذي تتضاعف فيه العقوبات الأمريكية على شبكات النفط الإيراني حتى بلغت تجميدات أصول رقمية وحدها 344 مليون دولار، بينما يعاني مليونا إيراني البطالة بعدما فقدوا وظائفهم جراء الحرب والحصار. طهران تتهرب أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن ويتكوف وكوشنر سيتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات مع إيران. مشيرةً إلى رصد تقدم من الجانب الإيراني خلال الأيام الأخيرة مع إبقاء نائب الرئيس، جي دي فانس، على أهبة الاستعداد للتوجه بدوره إلى إسلام آباد، غير أن هذا التفاؤل الأمريكي اصطدم بجدار إيراني صلب، إذ سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إلى نشر بيان أكد فيه أن المسؤولين لا يعتزمون لقاء ممثلي الولاياتالمتحدة، وأن مخاوف طهران ستُنقل إلى إسلام آباد التي تضطلع بالوساطة. وقد وصل وزير الخارجية الإيراني.،عباس عراقجي، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أمس، السبت حاملاً، رداً على المقترحات الأمريكية التي جرى نقلها خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، لطهران الأسبوع الماضي، وهو رد وصفته المصادر بأنه شامل، ويراعي كل ملاحظات طهران، بيد أن المشهد أعمق مما تُظهره التصريحات الرسمية، فوزير الخارجية يشترط رفع القيود قبل أي حوار، والمتحدث الرسمي الإيراني يرفض اللقاء المباشر، فيما يُعلن الحرس الثوري احتفاظه بمعظم مخزونه الصاروخي، ويؤكد مسؤولو الدفاع استمرار الإنتاج العسكري في منشآت سرية، غير أن هذا الخطاب الموحد يخفي تناقضاً جوهرياً. وبينما تغلق طهران الباب دبلوماسياً بتصريحات قاطعة، تُبقيه مفتوحاً عبر قنوات الوساطة الباكستانية، مما يُشير إلى أن الوحدة الخطابية ليست وحدة إستراتيجية، بل غطاء للتفاوض على الشروط لا على المبدأ، والأخطر أن الحرس الثوري يمسك بورقة الفيتو الفعلي، إذ تكشف التقارير عن ضغوطه على المفاوضين لرفض أي حوار قبل رفع الحصار، يدفع ثمنه المدنيون في الداخل والملاحة الدولية في الخارج. هرمز يحتضر على وقع هذا التجاذب الدبلوماسي، تتصاعد الأزمة في مضيق هرمز بوتيرة مقلقة، فقد أظهرت بيانات الشحن أن 5 سفن فقط، من بينها ناقلة منتجات نفطية إيرانية واحدة، عبرت المضيق خلال 24 ساعة الأخيرة، وهو رقم يمثل جزءاً ضئيلاً من متوسط 140 عبوراً يومياً كان يُسجل قبل اندلاع الحرب، فرضت الولاياتالمتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في 13 من أبريل، موسعة نطاق عملياتها لتشمل مضيق هرمز وخليج عُمان وبحر العرب، و ينفذه 10 آلاف عسكري ونحو 15 سفينة حربية. في المقابل، لم تكتف طهران بالموقف السلبي، بل ردت بأدوات ميدانية حادة؛ إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني في الثاني والعشرين من أبريل احتجاز سفينتين أجنبيتين في أثناء عبورهما المضيق. مشيراً إلى أن إحداهما مرتبطة بإسرائيل، وعزّزت بحريته موقفها بنشر مشاهد لعمليات السيطرة على سفن مخالفة، في استهداف صريح يطال دولاً وسفناً لم تعتدِ على إيران، ويناقض تصريحاتها المتكررة بعدم المساس بالملاحة المدنية. عقوبات على مصفاة صينية لم يقتصر التصعيد الأمريكي على البعد العسكري، فقد أعلنت إدارة ترمب فرض عقوبات على مصفاة نفط كبرى مقرها الصين وقرابة أربعين شركة شحن، وناقلة تشارك في نقل النفط الإيراني، تنفيذاً لتهديده بعقوبات ثانوية على كل من يتعامل مع طهران. كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تجميد أصول رقمية إيرانية بقيمة 344 مليون دولار، وتتعامل الصين مع هذه الضغوط بحساسية استثنائية؛ إذ تشتري نحو ثمانين بالمئة من نفط طهران، وتأتي العقوبات الجديدة قبل أسابيع من لقاء مرتقب بين ترمب ونظيره الصيني، شي جين بينغ، مما يضع بكين أمام معادلة بالغة الحرج بين مصالحها الاقتصادية والاستحقاقات الدبلوماسية. إيران تنزف في الوقت الذي نشب فيه أمس حريق هائل في مجمع صناعي بطهران، زاد دخانه على دخان الحرب، وأضاف فصلاً جديداً إلى سجل الخسائر المتراكمة، تتراكم في الداخل الإيراني الفواتير الاجتماعية لحرب لم تعلن رسميا بعد. فقد كشف نائب وزير العمل الإيراني، أمس، أن مليوني شخص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب، في ظاهرة تطال قطاعات متشعبة من المصانع المستهدفة بالغارات إلى تجار التجزئة، وشركات الاستيراد والتصدير والقطاع الرقمي. ورغم ذلك، حرصت وزارة الدفاع الإيرانية على إرسال رسالة ردع، معلنة احتفاظها بجزء كبير من مخزونها الصاروخي، وأن نحو تسعمئة شركة تعمل بالتعاون مع القوات المسلحة، وأن الإنتاج العسكري يشمل أكثر من ألف نوع من الأسلحة، في مفارقة صارخة بين دولة تحترق في الداخل وتتشدق بالقوة في الخارج. 3 حاملات في الخليج لم يحدث منذ عقود أن رست 3 حاملات طائرات أمريكية في وقت واحد على أعتاب الخليج، لكن المشهد اليوم بات واقعاً، فمع وصول حاملة الطائرات الثالثة إلى المنطقة، اكتملت الأرمادا الأمريكية التي تضم إلى جانبها 15 سفينة حربية 10 آلاف عسكري ينفذون الحصار البحري على الموانئ الإيرانية. هذا الحشد غير المسبوق لا يمثل ضغطاً عسكرياً فحسب، بل رسالة إستراتيجية محكمة الصياغة، مفادها أن واشنطن تفاوض وخلفها كامل قوتها البحرية، وأن الخيار العسكري لم يغادر الطاولة قط. 809 هجمات على كردستان وسط هذه المعادلات الكبرى، تدفع مناطق بعيدة عن صناعة القرار ثمناً باهظاً، إذ أعلنت سلطات إقليم كردستان العراق أن 20 شخصاً لقوا حتفهم وأصيب 123 آخرون جراء 809 هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ منذ بداية الحرب، نفذتها جماعة «المقاومة الإسلامية» في العراق، مستهدفة مواقع مدنية وممتلكات خاصة تحت ذرائع لا صحة لها، فيما يؤكد الإقليم التزامه الحياد التام، وهو دليل إضافي على أن العدوان الإيراني يطال دولاً لم تعتد عليه. تحرك ألماني على الجانب الأوروبي، أعلن وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، أن وحدات بحرية ألمانية ستتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط في خطوة تمهيدية لاحتمال نشرها في هرمز، مشدداً على اشتراط وقف إطلاق نار مستدام وإطار قانوني وتفويض برلماني قبل أي انتشار فعلي. وجدّد المستشار، فريدريش ميرتس استعداد بلاده للمشاركة في مهمة دولية لتأمين المضيق، مُفضّلاً أن يشمل ذلك مشاركة أمريكية. الرهان الباكستاني تسعى باكستان إلى البناء على نجاحها السابق في إقناع الطرفين بوقف إطلاق النار وتمديد الهدنة، عاملةً على تحويلها إلى مسار تفاوضي أوسع. وقد أوضح وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أن إيران أمامها فرصة لإبرام اتفاق جيد مشروطاً بالتخلي عن السلاح النووي بطرق ملموسة قابلة للتحقق، لكن الجولة الثانية اليوم تواجه عقبة التناقض الجوهري: واشنطن تريد محادثات مباشرة، وطهران تبقي خطابها موحداً في الرفض العلني، بينما تتحرك هادئة عبر الوسيط، في حين يواصل المضيق إرسال رسالته الصامتة والأعمق أثراً، وهي أن كل ساعة تأخير تعني مزيداً من الخسائر للعالم وللإيرانيين المدنيين على حد سواء. أرقام الأزمة 2 مليون عاطل في إيران بسبب الحرب. 344 مليون دولار أصول إيرانية مجمّدة. 40 شركة شحن مستهدفة بالعقوبات الأمريكية. 5 سفن فقط عبرت هرمز أمس بدلاً من 140 يومياً. استئناف الرحلات مطار طهران. 809 هجمات إيرانية على كردستان. 20 قتيلاً و123 مصاباً. 10 آلاف جندي و15 سفينة أمريكية تحاصر إيران.