لم تكن الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية بصورها الفنية الحديثة موجودة في التراث العربي القديم. لأن التراث القديم اعتمد بشكل أساسي على الشعر وهو (ديوان العرب)، وعلى المقامات، والرسائل، والسير الشعبية. ومع حركة الترجمة والاحتكاك بالغرب في القرن التاسع عشر، استلهم الأدباء العرب هذه القوالب الفنية وبدأوا في «تبيئتها» (أي جعلها ملائمة للبيئة العربية)، فظهرت أولى المحاولات مثل رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، ومسرحيات مارون النقاش وأحمد شوقي وغيرها.... رغم أن القوالب كانت مستوردة، إلا أن «الوعاء» ظل عربيًا أصيلًا. التزم الأدباء بالفصحى لأنها لغة القرآن الكريم، والرابط المشترك بين الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.... واللغة الفصحى لم تبقَ جامدة؛ بل ظهر ما يسمى «لغة الصحافة» أو «الفصحى المعاصرة»، وهي لغة سليمة نحويًا وصرفيًا لكنها تمتاز بالبساطة والبعد عن التكلف اللفظي (المحسنات البديعية المعقدة) لتناسب السرد الروائي والدراما. هناك دعوات للعامية لكنها فشلت... بالفعل ظهرت دعوات لاستبدال الفصحى بالعامية، قاد بعضها مستشرقون (مثل ويلمور وسلدن ولاد) وتبعهم بعض الأدباء العرب (مثل سعيد عقل في لبنان أو يوسف إدريس في بعض تجاربه المسرحية). ومع ذلك، ظلت هذه الاستجابة محدودة للأسباب التالية: • هناك وحدة ثقافية لأن الفصحى هي التي تجمع العربي في المغرب بالعربي في العراق؛ أما العاميات فهي محلية وضيقة ومحدودة وتؤدي إلى تفتيت الهوية الثقافية. • قدسية اللغة العربية لارتباطها الديني بالقرآن مما جعل التخلي عنها أمرًا مرفوضًا وجدانيًا وشعبيًا. • والكتابة بالعامية تعني القطيعة مع 1500 عام من الأدب والشعر العربي القديم. لذلك يكون الحل الوسط (اللغة الثالثة) والذي نجده اليوم وهو نوع من المرونة، خاصة في الحوار المسرحي والروائي: • كثير من الروائيين يكتبون «المتن» (الوصف والسرد) بالفصحى، بينما يجعلون «الحوار» بالعامية أو بفصحى بسيطة جدًا (لغة الحياة اليومية) لإضفاء الواقعية على الشخصيات. • نستنتج من ذلك خلاصة القول: إن الأدب العربي قد نجح في استيراد «الهياكل» الفنية الغربية دون أن يفقد «روحه» اللغوية، مما خلق مزيجًا فريدًا يجمع بين حداثة الشكل وأصالة المادة.