قبل فترة ولدت طفلة بعملية قيصرية، لأم ولدت أربعة أطفال قبلها ولادة طبيعية. القيصرية كانت قرارًا اتخذه الوالدان، عن دراية واقتناع، بعدما أخبرتهما الطبيبة، أن الجنين به تشوهات عديدة، ربما تتعارض مع الحياة أو جودتها، وفضلت الطبيبة الولادة الطبيعية ونصحت بها، لأن مخرجات المولودة لا تتفق مع خطورة تعريض الأم لعملية قيصرية، ولكن إصرار الوالدين على العملية خوفًا على المولودة، دفع الطبيبة لاعتماد الولادة القيصرية. حينما ولدت، تمّ إنعاشها، وتنويمها في العناية المركزة لحديثي الولادة. من النظرة الأولى، تعرف أن هناك تشوهات شديدة في الدماغ، مصاحبة لتشوهات في الجهاز الهضمي والتناسلي، التصوير التلفزيوني للدماغ أوضح أنه لا توجد أنسجة دماغية إلا ما ندر، استبدلت بالماء، هذه التشوهات الخلقية، لا برء منها أو لا يُرجى برؤها، لذلك لم يتم إنعاشها حينما توقف قلبها بعد يومين من الولادة ونوقش الأمر مع الوالدين، هما يعرفان أنها لو ولدت ولادة طبيعية ستموت خلالها، فلم يريدا أن يشاركا في إنهاء حياتها، وإن كان القرار يشكل خطرًا على حياة الأم. قرر الفريق الطبي عدم إنعاش المولودة إذا توقف قلبها، لأن لا أحد يعيش بلا دماغ، لم يكن ضمورًا بل معظم أنسجة الدماغ غير موجودة. قرار عدم الإنعاش ليس بالسهل، ولا يؤخذ إلا بتقييم الحالة من قبل ثلاثة أطباء استشاريين، ولا يعني أن تُفصل الأجهزة أو الدعم التنفسي إن كان المريض عليها من قبل التشخيص، حتى عدم الإنعاش درجات، هناك ما يقضي بعدم إعطاء مدعمات الضغط، أو مقويات نبضات القلب، وعمل صدمات كهربائية، أو ضغطات صدرية، وبعضها فقط يوقف الصدمة الكهربائية والضغطات الصدرية، وتقديم غيرها من العناية والإنعاش. لا أحد يفصل الأجهزة كما يعتقد البعض، وليس هناك ما يُسمى ب«إبرة الرحمة»، لا أحد يسلب الحياة التي يمنحها الله لخلقه، عدم الإنعاش لمرض لا يُرجى برؤه يختلف عن الموت الدماغي، الذي يعني موتًا وفقدًا دائمًا لجميع وظائف الدماغ، ويشمل جذع الدماغ. فقدان وظائف الدماغ الحيوية، كالتنفس والإدراك، يميت الدماغ ويظل القلب ينبض بمساعدة الدعم التنفسي، ومن الممكن أن يتخذ الفريق الطبي قرار إيقاف الدعم التنفسي، ليموت بسلام. ثم اختلاف بين الموت الدماغي والغيبوبة، الغيبوبة من الممكن أن يفيق منها المريض، لأن الدماغ لم يفقد وظائفه الحيوية ولكنه سبات دماغي، لسبب أو لآخر، ننتظر أن يفيق المريض منه، ولكن إن لم يفق! القرار الصعب، إذا أضرار الدماغ ليست بخطرة سيحظى بكل ما يحتاجه من الإنعاش والرعاية، لكن إن أظهرت الفحوصات والتقييم السريريّ أن الدماغ متضرر بشكل كبير، لكنه لم يمت، سيقرر الأطباء إن كانوا سيدرجونه تحت خانة عدم الإنعاش بدرجات مختلفة. قرار عدم الإنعاش من أكثر القرارات الطبية حساسية وتعقيدًا، ليس فقط من الناحية السريرية، بل من الناحية النفسية والإنسانية. فهو يترك أثرًا نفسيًا عميقًا في عائلة المريض وأحبّته، وقد يكون مصحوبًا بمشاعر متداخلة من الحزن، الذنب، الخوف، والارتباك. عند إبلاغ الأهل بقرار عدم الإنعاش، غالبًا ما تكون الصدمة هي رد فعلهم الأول، يشعرون بأن القرار إعلان غير مباشر بقرب الفقد، أو أن الأمل يُسحب منهم فجأة. كثير من الأهل يمرون بمرحلة الإنكار، يتمسكون بفكرة المحاولة الأخيرة، حتى وإن كانت غير مجدية ومؤلمة للمريض. يلعب الأطباء والممارسون الصحيون دورًا محوريًا في تخفيف العبء النفسي على الأهل، من خلال، الشرح الواضح وبرفق لمعنى قرار عدم الإنعاش، استخدام عبارات إنسانية بعيدة عن المصطلحات الطبية الجافة، إشراك الأسرة في الحوار واحترام مشاعرهم وإجابة تساؤلاتهم، وطمأنتهم بأن مريضهم لن يُترك دون رعاية أو اهتمام. فهم الأثر النفسي لهذا القرار، وتقديم الدعم والتوعية اللازمة، يساعد الأهل على التكيّف مع الألم، ويمنحهم قدرًا من السلام الداخلي، ويؤكد أن الرحمة لا تعني التخلي، وهو قرار إنساني رغم ألمه، إذا ما أُتخذ بعلم طبي واضح وضمير حي وحوار صادق وحميم مع الأهل.