لم يعد المشروع الصهيوني، في طوره المعاصر، يعتمد على القوة العسكرية وحدها ولا على الغطاء الغربي التقليدي فقط، بل وجد لنفسه وببراعة مؤلمة مقاولًا عربيًا يؤدي الأدوار الرمادية: يفتح الأبواب، يهيّئ المسارات، ويُضفي على الاختراق صفة «الطبيعي» و«الواقعي» و«الضروري». مقاول لا يرفع العلم الصهيوني، ولا يعلن التحالف صراحة، لكنه ينجز المطلوب بأدوات ناعمة، وبخطاب ملس، وبشبكات مصالح تمتد من الاقتصاد إلى الإعلام ومن الأمن إلى الثقافة. هذا المقاول لا يقاتل على الجبهة، لكنه يُفرغ الجبهة من معناها. لا يُطلق الرصاص، لكنه يُصيب الوعي. لا يحتل الأرض، لكنه يشرعن الاحتلال في العقول. هو حلقة الوصل بين المشروع الخارجي وبيئة عربية مُنهكة، تبحث عن «الاستقرار» ولو على حساب العدالة، وعن «التنمية» ولو على حساب الكرامة، وعن «البراغماتية» ولو على حساب التاريخ. أخطر ما في هذا الدور أنه يعمل من الداخل. يتحدث بلسان عربي، ويتزين بشعارات عربية، ويستثمر في رموز عربية. يُعيد تعريف الصراع لا بوصفه قضية تحرر وحقوق، بل «ملفًا مزعجًا» ينبغي إغلاقه. يُبدّل اللغة: من احتلال إلى نزاع، ومن تطهير إلى اشتباك، ومن مقاومة إلى عنف، ومن تطبيع إلى سلام. ومع كل تبديل لغوي، تتآكل الحقيقة خطوة. في هذا السياق، تظهر نماذج عربية تتقدم الصفوف دون أن تعلن ذلك صراحة. نماذج لا تحب أن تُسمّى، لكنها تحب أن تُرى: في المؤتمرات الاقتصادية المشتركة، في المنصات الإعلامية العابرة للحدود، في مبادرات «التسامح» المنتقاة بعناية، وفي سياسات خارجية تُمسك العصا من الوسط لكنها تميل بثقلها حيث المصلحة تُرسم من الخارج. لا تُذكر الأسماء كثيرًا، لكن الإشارات تكفي، والخرائط السياسية لا تخطئ. المشكلة ليست في دولة بعينها، بل في منطق المقاولة ذاته: أن تتحول القضية إلى مشروع استثماري، وأن يصبح الصراع سلعة تفاوض، وأن يُدار التاريخ بعقلية الصفقة. حينها لا يعود مطلوبًا الانتصار للحق، بل إدارة الخسارة بأقل كلفة إعلامية. ولا يعود المطلوب تحرير الأرض، بل تحرير السوق. والأدهى أن المقاول العربي لا يعمل وحده؛ بل يستند إلى نخب محلية، ومراكز تفكير، ومؤثرين، وخطاب ثقافي يُشيطن الذاكرة ويُجرّم الغضب. يُقال للناس: «العالم تغيّر»، وكأن العدل أصبح قديمًا، وكأن الحقوق تُقاس بتاريخ الصلاحية. أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس العدو الواضح، بل الوسيط الذي يبتسم. ليس الدبابة، بل الميكروفون. ليس الحصار، بل التطبيع الناعم الذي يتسلل بلا ضجيج. فالمشاريع الكبرى لا تسقط فقط بالقوة، بل تُفكك حين يُسلم مفتاحها من الداخل. وفي مواجهة هذا الواقع، لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها، ومن استعادة مركزية القضية، ومن فضح منطق المقاولة مهما تلون. فالتاريخ لا يرحم من باعوه بالتقسيط، ولا يغفر لمن ظنوا أن الغموض يحميهم إلى الأبد. فهناك لحظة -تأتي دائمًا- يُسأل فيها الجميع: أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون؟