لا شك أن للعصرنة والحداثة التي نعيشها اليوم إيجابيات لا حصر لها، لعل في مقدمتها سرعة التواصل الإجتماعي في اللحظة، وتبادل المعارف والثقافات، والوقوف على كل ما هو جديد في مختلف المجالات في لحظة حدوثها. ناهيك عن إيجابيات أتمتة الخدمات، والعمليات الإنتاجية، وما تمخض عنها من سرعة في الأداء، ووفورات في التكاليف. على أن تداعيات العصرنة الصاخبة تحمل في طياتها، من جهة أخرى، تحديات كبيرة، ولا سيما في الجوانب السلبية منها، الأمر الذي يتطلب الانتباه الجاد لها من خلال تشخيصها، والتوعية بمخاطرها، والعمل على تجاوزها بالحوار الهادف. وتجدر الإشارة إلى أن من بين أبرز تحديات العصرنة هو ما يتعلق منها بأتمتة الوعي الإنساني، ومسخ القيم، مما يتطلب استكشاف الآثار السلبية لتداعيات العصرنة على رقمنة الوعي، ومسخ القيم، وخلخلة التقاليد الاجتماعية، حيث تصبح القرارات والآراء عند ذاك أكثر تأثرًا بمغريات التقنية الرقمية، ورهينة بمخرجاتها، لتصادر بذلك الوعي الإنساني، بوصفه آخر ما يبقى للأفراد من مقومات حرية الإنسان. ولا ريب أن أتمتة الوعي تستلب حق الأفراد الأساسي في اتخاذ القرارات، بما تتركه من آثار سلبية بمصادرة خياراتهم في اتخاذ القرارات بروح إنسانية، لتطرح بذلك تحديات أخلاقية وعاطفية كبيرة، خاصة أن العواطف والحس الوجداني هي أهم ما يميز الإنسان عن الآلة الصماء من خواص عند اتخاذ القرار. على أن مسخ منظومة القيم التقليدية بتداعيات العصرنة الصاخبة، بما تتركه عليها من تغيير جذري بسبب التأثيرات الحاسمة للعوامل الخارجية، يشوه ملامح الهوية، ويمس نقاء أصالتها في الصميم، وهو ما يؤدي إلى تغييب الهوية، فردية كانت أم جماعية على حد سواء، لنصبح عندئذ الغير، بعد أن كانت الهوية يوم ذاك هي ما تجعلنا نحن. ولمواجهة تلك التحديات المتسارعة للعصرنة الصاخبة، بجوانبها السلبية، فإن ذلك يتطلب التوعية الجادة بأهمية الحفاظ على صيانة الوعي والقيم والتقاليد الاجتماعية من المسخ والتشويه والضياع من خلال تعليم الأفراد كيفية التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات، بهدف إسقاط المحتويات الهابطة، ونبذ الأفكار السلبية، والحرص على التفاعل البناء مع كل ما هو إيجابي، ومفيد، في ساحة الفضاء الرقمي.