في العلوم الاجتماعية دائمًا ما نطمح إلى إيجاد قوانين تشبه في ثباتها قوانين الطبيعة، قوانين توضّح لنا كيف يسير المجتمع، وكيف تُبنى العلاقات الإنسانية. اليوم عشت موقفًا جعلني أفكر في ضرورة وجود قوانين إنسانية للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، قوانين لا تقوم على الشفقة، بل على التكافؤ والاحترام. أنا كفيف، أمارس حياتي بصورة طبيعية في المجتمع، لكن أحيانًا أواجه نظراتٍ أو تصرفاتٍ يغلب عليها طابع الشفقة، هذه النظرات قد تجعل كثيرًا من ذوي الإعاقة يبتعدون عن الاندماج والمشاركة، لأنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم كعبء. اليوم، كنت واقفًا أمام المسجد أنتظر العامل الذي يساعدني للدخول، فتقدّم رجل ووضع يده على كتفي قائلاً: هل أستطيع أن أمشي معك؟ ابتسمت وقلت له مازحًا: يبدو أنك معلم تربية خاصة. فأجاب مبتسمًا: حتى لو كنت معلمًا، نحن نساعد بعض.. توقفت عند جملته: «نحن نساعد بعض». هنا ولدت لدي فكرة: لماذا لا نعتبر هذا سلوكًا منظّمًا، شيئًا يشبه «قانون الخدمة»؟ - عندما يقدّم لي شخص خدمة، هو لا يفعلها بدافع الشفقة، بل بدافع إنساني أو ديني أو اجتماعي. - الخدمة في جوهرها تبادل: قد يكون مقابلها دعاء، كلمة شكر، أو حتى مجرد ابتسامة. - بهذا الشكل، لا يبقى في قلب الشخص ذي الإعاقة شعور بالحرج أو الدين، لأن العلاقة قائمة على التكافؤ، لا على المنّة. أسئلة للنقاش - هل يمكن أن يكون لدينا في مجتمعاتنا «قوانين إنسانية» تنظّم مثل هذه التعاملات؟. - هل نستطيع أن نؤطر العلاقة بين المساعدة وكرامة الفرد، بحيث لا تختلط بالشفقة؟. - كيف يمكن للباحثين والأكاديميين تحويل هذه المواقف اليومية إلى أرضية لبناء نظريات اجتماعية تسهم في تعزيز الدمج والعدالة؟. إن مجتمعنا الإسلامي يقوم على التكافل والإحسان، ولكن علينا أن نُعيد صياغة هذا التكافل بطريقة تجعل الشخص من ذوي الإعاقة يشعر أنه جزء فاعل ومتكافئ، لا موضوعًا للشفقة. ربما يكون هذا بداية لنقاش أوسع: كيف نحوّل المواقف البسيطة إلى قوانين إنسانية تحفظ كرامة الجميع؟.