لطالما ارتبط مفهوم الميراث بالماديات من مال وممتلكات شخصية، لكن في العصر الرقمي أصبح ما نتركه من بيانات رقمية لا يقل أهمية، وربما أكثر فائدة من الموروثات التقليدية. هذا «الإرث الرقمي» يشمل الآن مجموعة ضخمة من المحتوى الذي ننتجه أو نشارك فيه خلال حياتنا، ويستمر وجوده حتى بعد وفاتنا. أنواع الإرث الرقمي.. بين الأصول والحضور وفي بحث بقيادة بيورن نانسن، جامعة ملبورن، كشف أن الإرث الرقمي يصنف عادة إلى فئتين رئيسيتين: الأصول الرقمية والحضور الرقمي. الأصول الرقمية تتضمن عناصر لها قيمة اقتصادية، مثل أسماء النطاقات، والحسابات المالية، وصفحات التواصل الاجتماعي القابلة للتسييل، والمشروعات التجارية الإلكترونية، والعملات الرقمية، والسلع الافتراضية، والملكية الفكرية الرقمية، وغالبًا ما تكون هذه الأصول موزعة على منصات مختلفة أو محمية بكلمات مرور، أو مقيدة بقوانين خصوصية صارمة. أما الحضور الرقمي فيشمل المحتوى الذي قد لا يحمل قيمة نقدية، لكنه يحمل أهمية شخصية عاطفية، كصورنا ومقاطع الفيديو ورسائل البريد الإلكتروني وسجلات الدردشة، وجميعها غالبًا ما تُخزّن على خدمات سحابية. بيانات غير مرئية تحمل دلالات شخصية هناك بيانات لا تُصنف كمحتوى مرئي، لكنها تكشف عن جوانب دقيقة من حياتنا، تشمل ذلك بيانات التتبع السلوكي، مثل بيانات تطبيقات الصحة، أو سجل المواقع وعمليات البحث وسجل المشاهدة من منصات، مثل (Google وNetflix وSpotify)، هذه البيانات تكشف تفضيلاتنا وشغفنا، بل يمكن أن توضح لحظة عاطفية. ومن بين ما يندرج ضمن الإرث الرقمي المعاصر، الرسائل المجدولة للنشر بعد الوفاة أو الصور الرمزية التي تولدها أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يطرح تساؤلات أخلاقية حول هوية الفرد بعد وفاته، وحدود الخصوصية، وسلطة الشركات الرقمية على هذه البقايا. خطوات التخطيط للإرث الرقمي تمامًا كما يوصي الخبراء بإعداد وصية للممتلكات المادية، يُنصح بالتخطيط للإرث الرقمي، في عام 2017، وُضعت مجموعة من التوصيات العملية لتيسير هذا التخطيط، من أبرزها: • إعداد قائمة بالحسابات والأصول، مع حفظ أسماء المستخدمين وكلمات المرور، وتنزيل المحتوى الشخصي لتخزينه محليًا إذا أمكن. • تحديد التفضيلات كتابةً، مع توضيح ما يجب الاحتفاظ به أو حذفه أو مشاركته، ومع من. • استخدام تطبيقات إدارة كلمات المرور لمشاركة الوصول للمعلومات بأمان. • تعيين منفّذ رقمي يمتلك سلطة قانونية لتنفيذ هذه التفضيلات، ويفضل أن يكون ذلك باستشارة قانونية. • الاستفادة من الأدوات التي توفرها المنصات، مثل (Legacy Contact) على فيسبوك، و(Inactive Account Manager) من (Google)، و(Digital Legacy) من (Apple). عقبات قانونية وتقنية رغم وضوح هذه الخطوات، لا تزال الوصايا الرقمية نادرة، ما يجعل التعامل مع الإرث الرقمي دون توجيهات مسبقة أمرًا صعبًا، فغالبًا ما تمنع شروط استخدام المنصات وقوانين الخصوصية أي شخص غير صاحب الحساب من الوصول إليه، وفي حالات كثيرة يُطلب تقديم وثائق رسمية مثل شهادة الوفاة لمنح وصول محدود، ما يدفع البعض إلى اللجوء لحلول غير مكتملة، مثل البحث في الإنترنت عن آثار رقمية للمتوفى، أو محاولة استعادة الحسابات، أو مراجعة مستنداته الشخصية. غياب المعايير يخلق فجوات سياسات المنصات الحالية تعاني من قصور واضح، أبرزها عدم الاتساق، إذ تختلف من شركة لأخرى، وغالبًا ما تقتصر على حذف الحساب أو إحياء ذكراه، كما أن هذه السياسات تركّز على المحتوى الظاهر، مثل المنشورات، وتتجاهل البيانات السلوكية المهمة، مثل سجل الاستماع أو المشاهدة، رغم أهميتها الشخصية. وتظهر مشاكل إضافية عند فصل البيانات عن سياقها الأصلي، مثل الصور التي تفقد معناها عند حذف التعليقات أو التفاعلات المرتبطة بها، وفي الوقت ذاته، تطرح الابتكارات الرقمية مثل الصور الرمزية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تساؤلات عميقة تتعلق بالهوية والملكية والمخاطر المحتملة، خاصة في ظل غياب معايير تنظيمية واضحة، ما يسمح للشركات بالاحتفاظ بهذه البقايا الرقمية إلى أجل غير مسمى. إرث رقمي أم شأن حوكمة عامة؟ ما بين الملكية الفردية والهيمنة المؤسسية، يبرز الإرث الرقمي اليوم كقضية تتجاوز الأفراد لتصل إلى نطاق أوسع من الحوكمة الرقمية. لم تعد هذه المسألة مرتبطة فقط بالاختيار الشخصي، بل تستدعي إعادة نظر شاملة في القيم والبنى التقنية والقانونية التي تحكم وجودنا على الإنترنت في الحياة وبعدها.