في ذاكرة الوطن، تتجدّد حكاية التّأسيس بوصفها قصّة مجدٍ كُتبت بالحكمة، وصيغت بالإرادة، وترسّخت بالعدل. فمنذ أكثر من ثلاثة قرون، وتحديداً في عام 1727م، انطلقت في قلب الجزيرة العربيّة مسيرة دولةٍ وضعت الإنسان في صدارة أولويّاتها، حين أرسى الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – أُسس كيانٍ وُلد ليصنع الاستقرار، ويؤسّس لمستقبلٍ يقوم على الوحدة والعدل والبناء. في الدّرعيّة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التّاريخ، تشكّلت ملامح الدّولة السعودية الأولى، واستقرّت رؤية قائدٍ آمَن بأنّ بناء الأوطان لا يتحقّق بالقوّة وحدها، بل بالبصيرة، وترسيخ القيم، وصون كرامة الإنسان. ومن هناك، بدأت رحلة وطنٍ واجه التّحدّيات بثبات، واستمدّ من جذوره العميقة القدرة على النّهوض والاستمرار. مسيرة صمود لا تنكسر لم تكن مسيرة الدّولة السعودية رحلة سهلة؛ إذ تعاقبت مراحل التّأسيس، وتوالت التّحدّيات، غير أنّ الإرادة الوطنيّة ظلّت حاضرة. فمن الدّولة السعودية الأولى، إلى الثّانية، ثمّ إلى لحظة التّوحيد الخالدة على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – عام 1902م، تشكّلت قصّة وطنٍ أعاد بناء نفسه، ورسّخ دعائم دولة حديثة تُوّجت بقيام المملكة العربية السعودية عام 1932م. هذه المسيرة المتعاقبة لم تكن مجرّد استعادةٍ للسّلطة، بل كانت إعادة تأكيد على نهجٍ راسخ، قوامه خدمة الإنسان، وتحقيق الاستقرار، وبناء مؤسّساتٍ قادرة على مواكبة الزّمن، وصناعة المستقبل. حاضر يواصل المجد... ومستقبل يُصنع بالطّموح واليوم، تقف المملكة العربية السعودية على أعتاب مرحلة تاريخيّة جديدة، تقودها رؤية طموحة، في ظلّ قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – حيث تمضي المملكة بثقة نحو مستقبلٍ أكثر ازدهارًا، مستندة إلى رؤية السعودية 2030 التي أعادت رسم ملامح التّنمية الشّاملة، وعزّزت مكانة الإنسان بوصفه محور التّحوُّل. وفي القطاع الصّحّي والبحثي، تجسّد هذه الرّؤية نموذجًا حيًّا لما يمكن أن تصنعه الإرادة الوطنيّة حين تُترجم إلى مؤسّسات رائدة. فقد أصبحت المملكة اليوم مركزًا متقدّمًا للرّعاية الصّحّية المتخصّصة، والبحث العلمي، والابتكار الطّبّي، بما يعكس التزامها العميق بجودة الحياة، والاستثمار في صحّة الإنسان، وبناء منظومة صحّيّة تضاهي أرقى النّماذج العالمية. يوم التّأسيس... عهد يتجدّد إنّ يوم التّأسيس ليس مجرّد مناسبة وطنيّة نستحضر فيها الماضي، بل هو محطّة وعيٍ نجدّد فيها العهد على مواصلة البناء، واستلهام الدّروس من تاريخٍ صنعه رجال آمنوا بوطنهم، وكرّسوا حياتهم لخدمته. هو يوم نفخر فيه بجذورنا، ونستمدّ منه العزم لمواصلة مسيرة العطاء، والعمل، والابتكار، بما يليق بتاريخ هذا الوطن العظيم. وفي هذه الذكرى الخالدة، نؤكّد أنّ ما نعيشه اليوم من تقدُّمٍ وإنجازات ما هو إلا امتداد لذلك التّأسيس الرّاسخ، وأنّ مسؤوليّة المحافظة على هذا الإرث، وصناعة مستقبلٍ أكثر إشراقًا هي أمانة في أعناقنا جميعًا. كلّ عام والمملكة العربية السعودية راسخة بجذورها، شامخة بطموحها، وماضية بثقة نحو مستقبلٍ يليق بتاريخها ومكانتها. *المستشار بالديوان الملكي والرئيس التنفيذي لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث