رئيس وزراء السنغال يغادر جدة    أمير تبوك يترأس غداً اجتماع الإدارات الحكومية والخدمية المعنية باستعدادات شهر رمضان    أمانة تبوك تشدد جهودها الرقابية ب 66 ألف زيارة ميدانية متوقعة خلال شهر رمضان    وزير الخارجية الإيراني يعقد جولة ثانية من المحادثات النووية    إيفان توني.. قلبه في السعودية وحلمه في كأس العالم    حواجز داخل المركبة تعيق رؤية السائق وتزيد من خطر الحوادث المرورية    أمير المدينة يدشن مشروع "على خطاه"    أمير المدينة يدشن معرض الهجرة النبوية    تعليم الطائف يختتم مبادرة "مهارات المستقبل" بمشاركة الطلاب والطالبات الموهوبين    أمير المدينة يطلع على الاستعدادات الأمنية والمرورية لشهر رمضان    مستشفى الرس العام يخدم أكثر من 667 ألف مستفيد خلال عام 2025م    الأمين العام لمجلس التعاون يدين قرار تحويل أراضي بالضفة الغربية إلى "أملاك دولة"    من نواصي الخيل إلى سرجها: أمثال عربية وصينية تروي فلسفة الحياة    العالم يحتفل ب اليوم الدولي للمرأة والفتاة في العلوم    سار ترفع جاهزية قطار الحرمين السريع لموسم رمضان 1447ه    مكة المكرمة مركز الثقة في اقتصاد الحلال.. ومنصة التوسع نحو الأسواق الدولية    انخفاض النفط إلى 67.72 دولارًا للبرميل    "الشؤون الدينية" تُعلن اكتمال جاهزيتها واستعداداتها لاستقبال شهر رمضان    تراجع أسعار الذهب 0.4% مع ارتفاع الدولار    المملكة: لا سلطة للاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية    «المظالم» ينقض حكماً ويقضي بقبول الاعتراض    مدير الأمن العام يرأس اجتماع قادة قوات أمن العمرة    محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تعيد توطين الأرنب العربي    عابدي يكمل جاهزيته لمنافسات التزلج المتعرج    في الجولة الأخيرة لدوري أبطال آسيا للنخبة.. الهلال والأهلي يستضيفان الوحدة وشباب الأهلي الإماراتيين    برشلونة يواجه جيرونا لاستعادة صدارة الليغا    أكد تحقيق تطلعات القيادة.. راكان بن سلمان: نهتم بدعم مسيرة التنمية الشاملة    التأسيس والعودة بالذاكرة    «سلمان للإغاثة» يوزع 410 سلال غذائية بمدينة نوائي بأوزبكستان    دعم مراكز الأبحاث والتطوير    مجرة «دولاب الهواء» تزين سماء جنوب رفحاء    «حملات رقابية» في مكة استعداداً لرمضان    مؤتمر صحفي لوزيري البلديات والإعلام ورئيس «سدايا» اليوم    توطين أدوية حيوية بالتعاون مع شركات فرنسية    توترات أوروبية جديدة على خلفية قضية نافالني.. زيلينسكي يتهم موسكو بتكثيف ضربات الطاقة    بعد تنسيق مع واشنطن.. دمشق تتسلم قاعدة الشدادي العسكرية    رايات الامتنان    نور النبوي ينهي تصوير«كان يا ما كان»    الكلمة الجميلة… حين تلامس الروح وترتقي بالنفس    سجين سابق يقتل زوجته ووالدته وابنته    ملتقى أبها يناقش فرص الاستثمار العقاري    إنزاغي: نتطلع لتحقيق الفوز    يايسله: متفائل بمواصلة التألق    ترويج الست موناليزا يثير الجدل والسخرية    تضمّن 4 أوراق عمل صحية.. تعليم جازان ينظم ملتقى «مدرستي آمنة»    روبوتات تغزو كهوف القمر    الفيصل يعتمد تسمية جولات دوري روشن والدرجتين الأولى والثانية باسم جولة يوم التأسيس    الشمس يتوَّج بطلاً لدوري الدرجة الثانية للسيدات وصعوده للدرجة الأولى    نظام نباتي يحمي القلب    الأمير فواز بن سلطان يستقبل المهنئين بمناسبة تعيينه محافظًا للطائف    تنظيم مبادرة اليوم العالمي للنمر العربي    رمضان وتجلي الروحانيات    العناية بالحرمين تعلن جاهزية خطتها التشغيلية المتكاملة لموسم رمضان 1447    الأولى عالمياً ب "قوقعة ذكية".. جامعي الخبر يعيد السمع لطفل    المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر رمضان مساء يوم الثلاثاء 29 شعبان لهذا العام 1447ه    «الاستحمام في الظلام» أفضل طريقة لجودة النوم    الرياضة في رمضان    فكر لسياسي عظيم يعكس دبلوماسية السعودية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سلطة الوعي السياسي الجديد
نشر في الشرق يوم 24 - 12 - 2011

هناك شعورعام يضغط على الجميع بأن هناك تغييراً كبيراً قد حدث، ويجب التفاعل معه منذ 14 يناير 2011، حيث دشنت مرحلة جديدة في التاريخ العربي. مؤتمرات وندوات ومقالات وبرامج فضائية لا حديث لها إلا عن الربيع العربي، وتأثيراته على مستقبل الشعوب والأنظمة العربية. ومع هذا فكل ما قيل عن هذه الثورات الاستثنائية في تاريخ مجتمعاتنا العربية لا يزال أقل من الحدث ذاته. كانت التطورات وتسلسلها المتسارع أقوى من قدراتنا التخيلية والتعبيرية. كثير من المستحيلات السياسية العربية بدأت تنهار والثوابت التقليدية اهتزت. انكشفت لنا مجتمعات أخرى غير التي كنا نعرفها في أذهاننا.. في إرادة التغيير والإصرار عليه مهما كان حجم التضحيات. وتغيرت فجأة رؤيتنا للإنسان العربي وللجماهير والشعوب في منطقتنا.
عدوى التغيير العربي انتشرت منذ اللحظات الأولى لهروب زين العابدين، ضخامة المفاجأة ورمزيتها حقنت مباشرة وعياً شعبياً مختلفاً في العالم العربي.. فشعر بخطرها منذ اللحظات الأولى.. حتى القذافي نفسه عندما قدم نصائحه للشعب التونسي بأن ابن علي هو الأفضل لهم! في الأيام الأولى كانت هناك محاولات من شخصيات رسمية عربية وإعلام الأنظمة وكتابها في مقالات الرأي لامتصاص جاذبية هذا التحول التاريخي وحصره في بقعة جغرافية صغيرة. لكن بعد مرور أيام وأسابيع قليلة كان الواقع هو الذي يقدم أجوبته لمنظري ومحللي هذه الأنظمة وأنصار الوعي السياسي القديم.. وما زالت حتى هذه اللحظة تبحث عن لغة أخرى تقاوم بها عدوى التغيير، وهذا الوعي الجديد.
تميزت هذه التحولات الكبرى ليس في أنها حراك جديد على الذهنية السياسية والشعبية في العالم العربي، وإنما بعفويتها وانعدام حضور القيادات والأحزاب التقليدية في المعارضة.. مما أعجز العقلية المؤامراتية عن صياغة سيناريوهات مشوهة لها في الإعلام لتعطل جاذبيتها. ولو انطلقت هذه الأحداث من دول قريبة من إسرائيل أو إيران لنشطت مقولات كثيرة عن المؤامرات والتخوين في إعلام الأنظمة ضد هذه المظاهر الاحتجاجية المربكة لها.
كانت الصورة الحية تقول كل شيء.. فالنقل المباشر لحراك الجماهير وشعاراتهم ومطالبهم العفوية في كل مظاهر الاحتجاج، وأفراحهم مع كل سقوط ديكتاتور، أبلغ من كل تحليل وتفسير. وأقوى في التأثير على الوعي الجمعي العام. حقنة التغيير كانت أكثر فعالية من قدرات وإمكانيات خصوم التغيير ومقاومتهم للحفاظ على الوعي القديم. لقد انتقلت عدوى التغيير وجاذبية التطورات بصورة أسرع مما توقعه أكثر الحالمين، وبالرغم من أن درجة هذه العدوى ستختلف حتماً بين مكان وآخر.. فقد كان التأثير الأقوى داخل أنظمة ودول بدأت واقعياً مشوهة.. لا ملكية ولا جمهورية.
ليست القضية الآن هل تنتقل عدوى التغيير أم لا؟! فقد حدثت على أرض الواقع وأصبحت جميع الأنظمة أمام وعي شعبي آخر عليها أن تتعامل معه بحكمة وجدية، ولم تعد تجدي لغة التحايل الرديئة التي يمارسها البعض للمحافظة على الوعي القديم. جيمس زغبي أشار إلى استطلاعات مؤسستي زغبي وجينراناليتكس في كل من تونس ومصر ولبنان والأردن والعراق والسعودية والإمارات وإيران. فبعد تسعة أشهر على انطلاق «الربيع العربي» استطلعت آراء الجمهور، وسألت أكثر من ستة آلاف شخص حول همومهم السياسية الرئيسية، ودرجة رضاهم عن وتيرة التغيير في بلدانهم، فتبين لهم أن «الربيع العربي» كان له تأثيره، بحيث أصبح يُنظر إلى الإصلاح وقضايا الحقوق كأولويات سياسية في معظم هذه الدول. (جريدة القبس 20/ 12 /2011). لقد تغيرت الأولويات مقارنة باستطلاعات 2009، حيث كانت الهموم المعيشية والفرص الوظيفية في المقدمة.
ما يفسد تصور حقيقة التغير في الوعي الشعبي رؤيتان: الأولى المبالغة وتصويره بأكبر مما يجب، ورسم الأحلام الوردية، حيث يخلط البعض بين الأمنيات لشعوبنا والواقع وتحدياته. تأتي هذه الرؤية عادة من فئة مندفعة انتقلت من حالة يأس مطلق إلى طموحات سياسية زائدة. ومقابل ذلك توجد رؤية ثانية من فئة منتفعة من الوعي القديم وتكيفت معه، لهذا تبذل جهوداً كبيرة في مغالطة الحقائق عبر تحليلات متكلفة، من أجل تشويه هذه التحولات والوعي الجديد.
وفي سياق محاولات مقاومة هذا الوعي.. تلجأ بعض هذه الكتابات إلى قياسات غير دقيقة ومغالطات تاريخية. استحضر بعضهم المد الثوري والقومي القديم.. بمعاركه وشعاراته التي تختلف كلياً عن طبيعة هذه الثورات الشعبية والعفوية. فالواقع أن تحولات الخمسينيات والستينيات مجرد انقلابات عسكرية للاستيلاء على الحكم تورطت به استخبارات وقوى عظمى بعد الحرب العالمية الثانية.
ويغالط بعضهم عندما يكتب عن اليسار الثوري وفشله لربطه بالربيع العربي والواقع أن هذه الثورات الشعبية وشعاراتها ودوافعها أبعد ما تكون عن اليسار القديم وفكره.
وآخر نصب نفسه مدافعاً عن الملكيات، ويستحضر معارك انتهى زمنها ارتبطت بالناصرية. فهذه الثورات أسقطت أنظمة جمهورية كانت يوماً ما مصدر هذه العداوة للأنظمة الملكية. ما يحسب لهذه الثورات الشعبية أنها لم تنشغل بشكل الحكم عن مضمونه، فلم ترفع شعارات ومقولات ضد الملكيات. كانت صرخة ضد الفساد بمختلف أشكاله للبحث عن كرامة الفرد التي انتهكتها أنظمة بوليسية ببطش دموي.
ليس بالضرورة أن تكون معجباً بالربيع العربي أو كارهاً له، حتى تعترف بأن هناك وعياً جديداً يفرض نفسه الآن على الحكومات والشعوب. وليس بالضرورة أن تنجح هذه الثورات أو تفشل في تغيير الواقع إلى ما هو أفضل. إن مجرد حدث سقوط رؤساء وأنظمة كانت تُعَدّ من الثوابت في ذهن الوعي التقليدي هو بذاته درس مكتمل للوعي بخطورة التهاون بحقوق الشعوب، وتغيير ضخم يفرض على الجميع منطقاً ولغة سياسية جديدة. وأياً كانت النتائج القريبة والبعيدة لما يحدث من تطورات، فهذا لا يلغي حقيقة هذا التحول السياسي في الرؤية الشعبية. سينتهي عام 2011 بعد أيام قليلة في التقويم، لكن يبدو أن تأثيره السياسي والاجتماعي والديني سيظل حاضراً لأزمنة طويلة!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.