يبقى مونديال كأس العالم له رائحته ولونه وطعمه الذي لا يشابهه شيء، فجمعه لهذا الشمل الكبير إشارة رفض لما تطرحه بعض النظريات من حدوث تصادم وقطيعة بين الحضارات والشعوب أهمية التمتع بالحياة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشرية كافة، تكشف عن الإعجاز الرباني، ولذلك فالمتعة الشعورية الوجدانية هي تفضي بطبيعة الحال إلى تحقق المنفعة والإدراك لحقيقة السعادة. في باب عالم الفلسفة نفهم بأن جمال الحياة ومتعتها يتجلى بمقدار كشف وإظهار ما هو موجود فيها. المفكر هيدجر، على سبيل المثال احتفى بحياة الفلاح الذي ينتمي للأرض ولا يحمل هموماً وتجده سعيداً هانئاً بحياته في حين انه انتقد المدينة الحديثة التي لا جذور لها، وشبه تاريخ الإنسان الحقيقي بمراحل نمو القمح كونه متجذراً في الأرض، فينمو ويكبر ويتطور ليصير خبزاً. وكل ذلك يعني إبهاج النظر وتحفيز النفس وإمتاع الروح، بمعنى آخر انها تحقق تأثيراً حسياً ومعرفياً بدليل أن لحظة السعادة التي يعيشها الإنسان لا تفتأ أن تهذب أخلاقه وتدفعه للإبداع وتجعل عقله وعاطفته في انسجام وتناغم. ولذلك هناك أحداث وفعاليات أصبحت مع مرور الزمن بمثابة علامة ناصعة في ردم الهوة ما بين الشعوب، وكأنها تُصلح ما أفسدته السياسة حيث الخلافات والصراعات والحروب، بدليل ما نعيشه هذه الأيام من حالة احتفالية ولحظات متعة. كانت صورة المشهد الكروي الكرنفالي في البرازيل، أعمق من الحدث ذاته، وبالتالي تجلت فيه قيمة الإنسان وجمالية الحياة، فتقاربت الشعوب، وأُلغيت الحواجز والقيود والموانع وهو حدث لا يتكرر إلا كل أربعة أعوام. أجناس مختلفة من كل حدب وصوب ولكنهم بشر في نهاية المطاف، وكأنهم يجسدون تلك اللوحة وتلك الرؤية الفطرية لحياتنا، التي تعكس حقيقة ومكانة الإنسان الذي ينطلق من كينونته المجردة التي يتقاسم فيها مع الآخرين حق الوجود وكرامة الذات. إن عالمها المدهش بلا مبالغة ساهم بتشكيل نسيج حيّ للثقافة الإنسانية، وهو واقع جسدته مناسباتها لتشكل تواصلاً حضارياً لافتاً. وجودك في المونديال حيث الأعين هناك ترقب كل شيء، هو فرصة حضور وتواجد في محفل دولي من العسير أن تتكرر فيه المشاركة مرة أخرى، حيث المحصلة مكاسب جمة على كافة الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن أنها تفسح لك مساحة للدعاية الإعلامية لبلدك، قد لا تستطيع ملايين الريالات إن صُرفت من أن تحقق ذات الزخم والاهتمام والمردود. والملاحظ ان الحضور العربي لا زال ضعيفاً وهشاً وخجولاً رغم بعض الومضات من هنا وهناك لا تلبث أن تتلاشى. وهذه قصة أخرى. ولذلك باتت كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، أكثر من مجرد لعبة، فلم تعد وسيلة لتزجية الوقت أو التسلية بل أصبحت عنواناً لمنجزات ومكتسبات الدول والشعوب، ومكوّناً من مكوناتها الثقافية شأنها شأن الفنون والرسم والموسيقى. وأصبحت بمثابة رسالة تميز وتفاعل هذا المجتمع أو ذاك، وعادة ما تكون تلك الاحتفالية التي تدوم شهراً، حدثاً جاذباً ما برح يختلط فيه الثقافي بالسياسي بالاقتصادي، ولذا لا تستغرب حينما تعلم أن الإنفاق السنوي على كرة القدم يصل إلى عشرات المليارات دولار، ما يكشف عن صناعة ضخمة ومؤثرة في اقتصاديات الدول. لقد قلت سابقاً إن المثير في هذه المجنونة المستديرة أنها اخترقت مختلف مكونات وفئات المجتمع، ووسعت شريحة متابعيها لتشمل الكبار والنساء والأطفال، فأصبحت تشد الجميع إلى عوالمها، فلم تعد كرة تتقاذفها الأقدام، بقدر ما أنها لامست مشاعر واهتمام المجتمع، وجعلتهم أكثر تفاعلاً وحماسة، بل إنها تجاوزت ذلك الحد لتتحول في وقت من الأوقات إلى رمز للوحدة والعزة والحماسة الوطنية لهذه الدولة أو تلك. كما ان ما يميز هذه اللعبة المجنونة، كما رددت ذلك من قبل، أنها تُكرس مفهوم حقوق الإنسان بوعي أو دون وعي، فهي ألغت مفاهيم الطبقية والعنصرية والنخبوية، لأنها مؤمنة بالمساواة والعدل والتعايش، فكان من الطبيعي أن تتغير نظرة المجتمع لها كونها أفرزت واقعاً إنسانياً جديداً. وإن كان هذا لا يعني أن البعض استغل هوس الشعوب بها، وأسقطوا عليها أجندتهم. ولذلك فهي كثقافةِ تشجيع لم تسلم من بعض المنغصات كبروز ظواهر سلبية لا تهدف من ورائها سوى إشعال روح التعصب والتمييز العرقي والأيديولوجي في حالات معينة، إلا انه من حسن الحظ أن هؤلاء لا يعبرون عن الخطاب السائد لدى أغلبية المجتمعات، ويبقى تأثيرهم محدوداً. ولذلك فهي كرة القدم الساحرة التي جمعت شعوب العالم بمختلف انتماءاتهم العرقية والإثنية والدينية واللغوية لترسخ شكلًا من أشكال التواصل بين الحضارات والثقافات، وعلى الرغم من خضوعها لطابع تنافسي، وارتهانها كلعبة لقانون الكسب والخسارة وحالات تعصب وعنف طارئة، إلا أنها تبقى دائماً ساحة خضراء لزرع بذور روح التعايش، بدليل ما يحدث الآن في البرازيل من سطوع لوحة بانورامية مدهشة. ويبقى مونديال كأس العالم له رائحته ولونه وطعمه الذي لا يشابهه شيء، فجمعه لهذا الشمل الكبير إشارة رفض لما تطرحه بعض النظريات من حدوث تصادم وقطيعة بين الحضارات والشعوب، وكأن الكرة المستديرة تصرخ بأن عالمنا اليوم بات إلى الالتحام والتمازج هو أقرب.