حينما كنت أتابع احتفالية مونديال كأس العالم في جنوب أفريقيا، تبادرت إلى ذهني عبارة اختزنتها الذاكرة، قالها رائد الفضاء العربي الأمير سلطان بن سلمان إبان رحلته المكوكية آنذاك، وذلك عندما سئل عما لفت انتباهه وهو ينظر لكوكب الأرض من المركبة الفضائية، فما لبث أن أجاب: رأيت أرضا واحدة بلا حدود. رؤية ربما اختزلت آلاف الكلمات والأحاسيس والمشاعر في آن واحد ولكنها بصدق تعكس حقيقة ما زالت ماثلة للعيان. ولعل أجمل ما يميز هذه القطعة المصنوعة من الجلد، أنها تُكرس مفهوم حقوق الإنسان بوعي أو دون وعي، فهي ألغت مفاهيم الطبقية والعنصرية والنخبوية، لأنها مؤمنة بالمساواة والعدل والتعايش. كانت صورة المشهد، الذي كنت أُتابعه في التلفاز رغم افتقاره لعنصريْ الإبهار والتشويق، لا يختلف كثيرا في تقديري عن تلك المخيلة التي تشكلت في ذهن الأمير وهو يعبر عباب الفضاء، فمضمون الرسالة وأبعادها أعمق من الحدث ذاته،وبالتالي تجلت فيه قيمة الإنسان وجمالية الحياة، فتقاربت الشعوب، وأُلغيت الحواجز والقيود والموانع وهو حدث لا يتكرر إلا كل أربعة أعوام. كانوا أجناسا مختلفة ولكنهم بشر في نهاية المطاف، وكأنهم يجسدون تلك اللوحة التي تأملها رائد الفضاء ونظره شاخص لكوكبنا. هذه الرؤية الفطرية لحياتنا، هي بلا أدنى شك تعكس حقيقة ومكانة الإنسان الذي ينطلق من كينونته المجردة التي يتقاسم فيها مع الآخرين حق الوجود وكرامة الذات. لقد استطاعت هذه الكرة الساحرة أن تجمع شعوب العالم بمختلف انتماءاتهم العرقية والإثنية والدينية واللغوية لترسخ شكلًا من أشكال التواصل والاندماج بين الحضارات والثقافات، وعلى الرغم من خضوعها لطابع تنافسي،وارتهانها كلعبة لقانون الكسب والخسارة وحالات تعصب وعنف طارئة، إلا أنها تبقى دائما ساحة خضراء لزرع بذور روح التعايش والسلم الأهلي، ولعل ما يحدث الآن في جنوب أفريقيا ما هو إلا انعكاس لهذه الصورة البانورامية المذهلة التي نجحت في تحقيق ما أخفقت فيه السياسة. على أن كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، باتت أكثر من مجرد لعبة، فلم تعد وسيلة لتزجية الوقت أو التسلية بل أصبحت عنواناً لمنجزات ومكتسبات هذه الدولة أو تلك، ومكوّناً من مكوناتها الثقافية شأنه شأن الفنون والرسم والموسيقى، وكأنها بمثابة رسالة تميز وتفاعل هذا المجتمع أو ذاك، لاسيما وأنها تحولت لمثال واضح لإفرازات العولمة، فعلى سبيل المثال وصل عدد من تابع مونديال كأس العالم عام 2006 أكثر من مليار شخص ،وعادة ما تكون تلك الاحتفالية التي تدوم شهرا، كرنفالا ملفتا ما برح يختلط فيه الثقافي بالسياسي بالاقتصادي، ولذا لا تستغرب حينما تعلم أن الإنفاق السنوي على كرة القدم يصل إلى 250 مليار دولار، مما يكشف عن صناعة ضخمة ومؤثرة في اقتصاديات الدول،مما جعلها أداة فاعلة في الانفتاح على العالم الخارجي واختراق الحواجز السياسية الهلامية، فكانت دائما علامة ناصعة في ردم الهوة ما بين الشعوب، وكأنها تُصلح ما أفسدته السياسة حيث الخلافات والاحتدامات والحروب. على انه من الطبيعي أن تحضرني هنا كارثة خروج المنتخب السعودي من التأهل لكأس العالم، وهو المنتخب العربي الذي تأهل للنهائيات أربع مرات على التوالي. شعور بالحزن والألم والخيبة والإحباط، تقاسمه أبناء الوطن، لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بمشاركة في مباريات كرة قدم رغم أهميتها ، بقدر ما أنها فرصة حضور وتواجد في محفل دولي من العسير أن تتكرر فيه المشاركة مرة أخرى، حيث المحصلة مكاسب جمة على كافة الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية،فضلا عن أنها تفسح لك مساحة للدعاية الإعلامية لبلدك، قد لا تستطيع ملايين الريالات إن صُرفت من أن تحقق ذات الزخم والاهتمام. ولعل السبب يكمن في أن الأعين هناك ترقب كل شيء ، فضلا عن أن المناسبة تشرئب لها الأعناق في كل أصقاع العالم، فهي من الفرص النادرة التي يُعض فيها بالنواجذ، ومن حقنا أن نشعر بالحسرة على ضياعها، والحقيقة أنني لا أعلم وربما يشاركني كثيرون في معرفة ماهية الأسباب التي أدت إلى خروج منتخبنا الباهت ، وكان بودي لو شُكلت لجنة مستقلة تكشف لنا عن أسباب خروجه بشكل علمي وموضوعي وحيادي لكي نعرف حقيقة ما حدث، ليتم تدارك هذا الإخفاق مستقبلا على الأقل. على أي حال يبقى المثير في هذه المجنونة المستديرة أنها اخترقت مختلف مكونات وفئات المجتمع، ووسعت شريحة متابعيها لتشمل الكبار والنساء والأطفال، فأصبحت تشد الجميع إلى عوالمها مما جعل الصورة النمطية إليها تتغير، فلم تعد كرة تتقاذفها الأقدام ، بقدر ما أنها لامست مشاعر واهتمام المجتمع ، وجعلتهم أكثر تفاعلا وحماسة، بل إنها تجاوزت ذلك الحد لتتحول في وقت من الأوقات إلى رمز للوحدة والعزة والحماسة الوطنية لهذه الدولة أو تلك. ولعل أجمل ما يميز هذه القطعة المصنوعة من الجلد، أنها تُكرس مفهوم حقوق الإنسان بوعي أو دون وعي، فهي ألغت مفاهيم الطبقية والعنصرية والنخبوية، لأنها مؤمنة بالمساواة والعدل والتعايش، فكان من الطبيعي أن تتغير نظرة المجتمع لها كونها أفرزت واقعا إنسانيا جديدا، فهي لا تُفرق بين الأمير والخفير ، أو الأبيض والأسود أو الغني والفقير ، أو المتعلم والأُمي، فالكل سواء في متعة المشاهدة. وإن كان هذا لا يعني أن هناك ثمة أناساً استغلت هوس الشعوب بها، إن ارتهنا للنقد، لأنها كثقافةِ تشجيع لم تسلم ، من بعض المنغصات كبروز ظواهر سلبية ،لا تهدف من ورائها سوى إشعال روح التعصب والتمييز العرقي والأيديولوجي في حالات معينة، إلا انه من حسن الحظ أن هؤلاء لا يعبرون عن الخطاب السائد لدى المجتمعات، ويبقى تأثيرهم محدودا. إن عالمها المدهش بلا مبالغة ساهم بتشكيل نسيج حيّ للثقافة الإنسانية، وهو واقع جسدته مناسباتها المتحررة من مفردات الهيمنة والسيطرة، فبلورت تواصلا حضاريا، مما استدعى صياغة أفكار ورؤى عبر لقاءات حوارية ومبادرات، لا تلبث أن ُتمارس في احتفالياتها المتواصلة في القارات السبع عبر العام وكل الأعوام، لكن يبقى مونديال كأس العالم له رائحته ولونه وطعمه الذي لا يشابهه شيء، فاستمرارية تألقه بهذا الوهج إشارة رفض لما تطرحه بعض النظريات من حدوث تصادم وقطعية بين الحضارات والشعوب، وينزع بجمعه لهذا الشمل الكبير في الحفز على التقارب والتسامح والتعايش، وكأن الكرة المستديرة تصرخ بأن عالمنا اليوم بات إلى الالتحام والتمازج هو أقرب، وان الإنسان هو الإنسان ذاته بطباعه وخصائصه وسلوكه وملامحه وتفاعله وكينونته، ويبدو أن رسالة المونديال قد وصلت، فمفادها: لقد نجحنا..لقد فعلناها.. فالأرض صارت بلا حدود.!!