هل فكرت يوماً بزيارة حارتكم القديمة؟! ... زيارة الحي الذي ولدت فيه وأصبحت فيه بيوت الطين بالكاد تسند طولها! أنا فعلت ذلك مؤخرا .. وبرفقة "أم فهد".. فأنا شخصيا لا أخرج من المنزل إلا لزيارة والدتي كل مساء. وذات يوم اتصلت بها هاتفيا قبل وصولي للمنزل وطلبت منها ملاقاتي عند الباب الخارجي. وما أن ركبت معي حتى سألتني "على فين إن شاء الله؟" فاكتفيت بالابتسامة، وقلت: "في رحلة للماضي".. والمفارقة أن رحلتنا للماضي لم تتطلب أكثر من كيلومترين من منزلها الحاضر.. فقد أخذتها إلى حيها القديم (العطن) حيث ولدت وتزوجت وعاشت مع والدتها وأشقائها وعشت أنا في كنف الجميع.. وما أن وصلنا حتى فوجئنا بصعوبة دخول السيارة لشوارعها التي انكمشت كما ينكمش وجه المرأة العجوز أو ظهر الشيخ الكبير.. وكان تأثرها أكبر مما توقعت حيث سال دمعها من خدها حين تذكرت والدتها وشقيقها، وأين عاش فلان ومات فلان.. وحين انتهت الرحلة اجتمعنا بأحفاد صغار لم يدركوا معنى الحلم الصغير ووجود جدران من طين وحصير فأتفقنا خلسة على عدم إكمال القصة (فأنا أكبر الأبناء، وآخر الأجيال المخضرمة، والفرق بيننا لا يتجاوز أربعة عشر عاما)!! ...غير أنني بعكس والدتي مصاب بلعنة التفكير المجرد والقدرة على تحييد العواطف الشخصية والذكريات الجميلة.. فما أن خرجنا من حارتنا القديمة، وغرقت والدتي في صمت الذكريات، حتى بدأت أفكر في أسباب انكماش الأحياء القديمة وطمر طرقاتها بالطين والتراب، وهبوط بيوتها تحت مستوى الشوارع فيها! فهل شعورنا بصغر الأحياء القديمة ناجم عن عيشنا حاليا في بيوت كبيرة، أم أنها انكمشت فعلا لأسباب جيولوجية؟! هل هبطت فيها البيوت أم ارتفعت الشوارع بفعل الإهمال وتراكم الغبار والأتربه؟ هل يمكن للأرض أن تنخسف وتنكمش في بقعة معينة (بفعل الجفاف وهجرة السكان) كما تنتفخ وتتوسع في منطقة أخرى (بفعل الأمطار ومياه المنازل وفضلات الأحياء)!؟ ... فالأرض يمكن فعلا أن تنتفخ وتتضخم حين تتشبع بالمياه والرطوبة بدليل قوله تعالى {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .. وفي المقابل ، حين يهجرها الناس تنكمش بسبب الاهمال والجفاف وتراكم الأتربة والغبار حتى تدفن تماما.. ولأن عمليتي الدفن والانكماش بطيئة ومتدرجة يصعب ملاحظتها إلا على مدى زمني طويل، قد تتطلب عقوداً وقروناً .. والدليل أن معظم المدن في الحضارات القديمة طمرت تماما (وبطريقة ذاتية) ولا يمكن الوصول إليها اليوم إلا بعمليات حفر متخصصة .. خذ كمثال مدينة طروادة الأغريقية (في جنوب تركيا الآن) التي طمرت سبع مرات وفي كل مرة تعود للازدهار فوق آخر مدينة قديمة.. ومدينة ثاج المدفونة تحت الرمال على بعد 300 كلم من الدمام التي ازدهرت قبل الميلاد وتركنا آثارها نهبا لموظفي أرامكو الأمريكان على مدى أربعين عاماً.. وهناك أيضا مدينة أرم ذات العماد {التي لم يخلق مثلها في البلاد والتي يعتقد أنها مازالت مطمورة تحت الربع الخالي واستطاعت وكالة ناسا تحديد موقعها بفضل مجسات فضائية خاصة (أطلقت عليها مدينة أوبار أو Ubar).. أما في مصر فهناك تمثال أبو الهول والقرى الفرعونية المحيطة به والذي دفن تحت الرمال قرونا طويلة لم يظهر فيها غير رأسه قبل أن يستخرج كاملا عام 1905 ... وكل هذه الأمثلة تثبت أن عمليات الدفن والطمر، وغوص المدن القديمة، ظاهرة طبيعية لم نفهمها جيدا حتى الآن.. ورغم حبنا لأحيائنا القديمة إلا أن أولوية الحماية والترميم يجب أن توجه لمواقع تاريخية يفترض أن تتداركها هيئة السياحة قبل أن تأكلها الأرض بمعنى الكلمة... وإن سألتني بمن نبدأ، فسأجيبك بلا تردد بمدينة العلا القديمة (المعروفة باسم الديرة) شمال شرق السعودية.. فبعد أن نجحنا في ضم مدائن صالح (خارج العلا) لقائمة التراث العالمي، حان الوقت لترميم مدينتها القديمة التي أراها أهم وأولى من "خرائب" عالمية كثيرة ضمتها اليونسكو لنفس القائمة !!