التأسيس والعودة بالذاكرة    أكد تحقيق تطلعات القيادة.. راكان بن سلمان: نهتم بدعم مسيرة التنمية الشاملة    الوزير الفضلي يُكرّم مقاولي شركة المياه الوطنية المتميزين    24 ملياراً صفقات (ريستاتكس العقاري)    الاتحاد يبدأ المرحلة التفصيلية لمشروع قريته الرياضية    146 مليار دولار تجارة بينية خليجية    تحذيرات إسرائيلية من انفجار محتمل بالضفة    أعلنت استعدادها لكل السيناريوهات.. إيران تؤكد استمرار المفاوضات النووية    سجين سابق يقتل زوجته ووالدته وابنته    عابدي يكمل جاهزيته لمنافسات التزلج المتعرج    في الجولة الأخيرة لدوري أبطال آسيا للنخبة.. الهلال والأهلي يستضيفان الوحدة وشباب الأهلي الإماراتيين    برشلونة يواجه جيرونا لاستعادة صدارة الليغا    دعم مراكز الأبحاث والتطوير    مجرة «دولاب الهواء» تزين سماء جنوب رفحاء    «حملات رقابية» في مكة استعداداً لرمضان    رايات الامتنان    نور النبوي ينهي تصوير«كان يا ما كان»    الكلمة الجميلة… حين تلامس الروح وترتقي بالنفس    الفيصل يعتمد تسمية جولات دوري روشن والدرجتين الأولى والثانية باسم جولة يوم التأسيس    تضمّن 4 أوراق عمل صحية.. تعليم جازان ينظم ملتقى «مدرستي آمنة»    الشمس يتوَّج بطلاً لدوري الدرجة الثانية للسيدات وصعوده للدرجة الأولى    روبوتات تغزو كهوف القمر    AI يضرب أسواق الأسهم الأمريكية    ترويج الست موناليزا يثير الجدل والسخرية    نظام نباتي يحمي القلب    الأمير فواز بن سلطان يستقبل المهنئين بمناسبة تعيينه محافظًا للطائف    القصبي يفتتح فرع المركز التشاركي بمكة    الأحيدب يشكر اليوسف على ما قدمه لتطوير منظومة القضاء الإداري    نائب أمير منطقة تبوك: إطلاق الحملة الوطنية للعمل الخيري يجسد دعم القيادة للتكافل الاجتماعي    نائب أمير تبوك يستقبل الطالبات الحاصلات على مراكز متقدمة في الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي    رمضان وتجلي الروحانيات    تنظيم مبادرة اليوم العالمي للنمر العربي    الصحة: 50% انخفاض الوفيات الناتجة عن الأمراض المعدية    مستشفى أبو راكة ينقذ رؤية مريضة بعد انسداد شرياني شبكي    وزير الدولة للشؤون الخارجية يلتقي وزير خارجية كوستاريكا    العناية بالحرمين تعلن جاهزية خطتها التشغيلية المتكاملة لموسم رمضان 1447    أمير جازان يتسلم التقرير السنوي ل"تراحم" جازان    الأمير راكان بن سلمان بن عبدالعزيز يشكر القيادة ويستقبل المهنئين بمناسبة تعيينه محافظًا للدرعية    الأولى عالمياً ب "قوقعة ذكية".. جامعي الخبر يعيد السمع لطفل    برعاية أمير الرياض وحضور نائبه.. قصر الحكم يحتضن حفل العرضة السعودية مساء اليوم احتفاءً بيوم التأسيس 2026    ارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 72,061 شهيدًا    المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر رمضان مساء يوم الثلاثاء 29 شعبان لهذا العام 1447ه    إدارات التعليم تعتمد التوقيت الزمني لدوام المدارس خلال شهر رمضان    الحملة على احتجاجات ستانفورد ضد إسرائيل باطلة.. قاضٍ أمريكي ينصف الحركة المؤيدة للفلسطينيين    ملتقى صحي يناقش الإساءة والاعتداء الجنسي    غارات ونسف مبانٍ وإصابات بنيران الاحتلال في عدة مناطق بقطاع غزة    النصر هزم الفتح.. النجمة يحقق أول انتصاراته.. تعادل الرياض والخليج    تحت رعاية الملك.. انطلاق تصفيات المسابقة المحلية على جائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم    خطيب المسجد الحرام: "الإخلاص لله" أعظم معاني الصيام    محافظ البكيرية يفتتح مصلى العيد في الشيحية    الخبرة الإدارية    تأكيد سعودي - باكستاني على الشراكة الإستراتيجية الدفاعية    لجنة الحج العُليا تحصل على جائزة مكة للتميز    «الاستحمام في الظلام» أفضل طريقة لجودة النوم    الرياضة في رمضان    زيلينسكي: الضربات الروسية لم توفر «محطة طاقة واحدة» في أوكرانيا    دا كوستا: نتمنى أن نتنافس في السعودية بشكل مستمر    فكر لسياسي عظيم يعكس دبلوماسية السعودية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القبيلة والمجتمع - النفس السوية
نشر في الرياض يوم 13 - 03 - 2008

في ثقافة العرب الجاهلية نماذج حية للإنسان الحر وهو ليس حرا فحسب بل إنه حر ملتزم في الوقت ذاته، ومع أن الحياة الجاهلية كانت حياة حرة في شأنها العام إذ لم يكن هناك نظام سياسي او ديني ولا حتى إداري يقنن سلوك البشر، ولكن هذه الحرية تتقيد بشرط غير تلك الشروط وهو الشرط الثقافي، ذلك الشرط الذي تكونه الأعراف وتقاليد السلوك الذي يتكون ويتراكم حتى يصير نظاما ذهنيا وسلوكيا يفترض بالفرد أن يتوخاه ويلتزم به حتى لقيد نفسه به تقييدا قسريا صارما وتكون الذات المفردة هي الرقيب على صاحبها في هذا الشأن وهذا تشكيل ثقافي يفترضه نظام الانتماء الى جماعة، حتى ولو خرج المرء عن جماعته الأصلية فإنه يسعى للدخول في جماعة أخرى بديلة ويشترط لقبوله الطوعي لدى هذه البديلة ان يتبنى نظامها الثقافي ويلتزم به - كما رأينا في حالة الشنفري في المقال ما قبل السابق -، والذي لا يريد الخروج على جماعته الأصلية يلزم نفسه بالضرورة بالحفاظ على شرطها النسقي، حتى وإن تعارضت رؤيته مع رأي الجماعة، وهذا كله يجري بانقياد ذاتي ولا وجود للحد القانوني مع غياب السلطة المركزية وغياب الغطاء الأيديولوجي او السياسي.
ولقد حدث لدريد بن الصمة موقف تاريخي كاشف حيث اختلف مع جماعته ورأى غير رأيهم ولكنه لم يكن يريد الخروج عليهم ولا مفارقتهم ولذا جاراهم مع علمه بمخالفتهم للصواب، وكان هذا حينما أغار قومه على جماعة من غطفان تحت قيادة أخيه عارض (عبدالله) وكان الظفر والغنم من نصيبهم. ولما انصرفوا كاسبين قرر عارض، أخو دريد، أن ينزل بقومه للراحة في مكان غير بعيد عن أرض غطفان فنصحه دريد بأن يستمر في الممشى حتى يبتعد عن القوم ولكن الأخ أبى وأصر على النزول فما لبثت غطفان أن لحقت بعارض وقومه وصارت معركة قتل فيها عارض وجرى استرداد الغنائم وكسر شوكة جماعة دريد على مرأى منه حيث شهد مقتل أخيه وشهد انتحار رأيه وانكسار مشورته وصار ما خاف منه، وهذا هو يوم منعرج اللوى الذي خلدته قصيدة دريد:
نصحت لعارض وأصحاب عارض
ورهط بني السوداء والقوم شهدي
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى
غوايتهم وأني غير مهتد
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
ومن العجب لحال هذه الأبيات هو ما يتردد على ألسنة الناس من الاستشهاد بالبيت الأخير (وهل أنا إلا من غزية) مقطوعا عن سياقه فيكون وكأنما هو بيت عبثي يدل على استهتار واستسلام خانع لرأي الناس دون تبصير او اتخاذ موقف، وهذا ما يجنبه قطع الاقتباس من تشويه للمعنى. وهو معنى لو تبصرنا فيه وأخذناه في سياقه لتكشف لنا منه نموذج سلوكي متطور يمس علاقة الفرد بالجماعة، وكيف يؤثر هذا الفرد البقاء في الصف على الرغم من معرفته الأكيدة بأن جماعته على خطأ، ولقد كان موقف دريد مع أخيه وقومه موقف الناصح الصادق وموقف الرجل الصريح ذي العقل الواعي والناقد والمعلن لهذا الرأي ولكنهم لم يقبلوا قوله ولا نصحه، وهو قد نصح ثم أمر وكرر وبرهن وجادل، ولما عجز عن إقناعهم لم ينشق عنهم ولم يعتزلهم وإنما بقي فيهم وواجه معهم المصير المشترك حتى شهد مقتل أخيه وهزيمة قومه وفقدان غنائمهم، وجاءت القصيدة بخطاب برهاني عقلاني مشوب بالعاطفة الجياشة لتسجل الحدث، بلسان رجل يجمع بين الفروسية والحكمة ويغطيهما بالشعر والرأي، وهنا يظهر رقيه الخلقي والمسلكي حتى ليقدم صورة راقية لأخيه مع حدوث ذلك الموقف المثير للغضب من عصيان أخيه له وتجاهله لرأيه، وكم هو رائع إذ يتكلم عن أخيه بعد هذه الحادثة الصادمة فيقول:
فإن يك عبدالله خلى مكانه
فما كان واقافا ولا طائش اليد
قليل التشكي للمصيبات حافظ
من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وطيب نفسي أنني لم أقل له
كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
هذه هي النفس الطيبة (النفس السوية) التي طابت بسلوكها وصار هذا السلوك الكريم منها سببا لحمايتها من لوعة الندم حيث عادت له سيرته مع أخيه قبل وفاته لتحميه بعد مماته، وهو الذي لم يقل له كذبت ولم يبخل عليه بمال ولا جاه، وقد منحه رأيه وجاهه وشرفه وسجية خلقه، ولما مات الأخ مات وقد أعذر منه دريد بالنصح من بعد طيب المعشر.
هذا نموذج للنفس السوية نقرأه من سيرة دريد مع نفسه ومع جماعته عبر علاقة الفرد مع الجماعة في الدائرة الواسعة ومع أخيه في الدائرة الضيقة، وهي علاقة ايجابية فعالة أورثت صاحبها راحة الضمير حتى طيبت نفسه وأراحت ذاكرته مع من يحب.
ولنا أن نقارن بين النماذج الثلاثة التي أوردناها فيما بين النفس المرة التي يمثلها الشنفري ويعيش فيها ومعها قلقا ومستطارا حيث جاء نموذجه في حال من المواجهة والرفض بينه وبين جماعته التي لم تحقق الصورة الذهنية المبتغاة فانشق عليهم باحثا عن قوم سواهم. وفي مقابلة يجيء دريد بن الصمة الذي تعامل مع نموذجه البشري بصيغة أخرى فيها فروسية لا تقل عن فروسية الشنفري مع تناقضها معها، ولدى كل منهما نموذجه الخاص في تصوره للاختلاف وفي تشكيلة لموقفه، فذاك يفارق بعد أن أعلن موقفه: أقيموا بني أمي صدور مطيكم/ فإني الى قوم سواكم لأميل. إنه يهدد ثم يفارق، وهذا شأن الشنفري، ولابد أن نتذكر أن الشنفري يخرج على الجماعة طلبا لمزيد من النسقية واستنكارا لعدم تمثل قومه لنسقيتهم الثقافية المطلقة وهو يبحث عن مزيد من التوحش رافضا أنسنة الثقافة وانفتاحها - كما أوضحنا من قبل -.
ولكن دريد بن الصمة يظل مع غزية يلاقي ما يلاقون وإن أمرهم ونصح لهم ولما خالفوه رضي بهم قوما وعصبة وانصاع لرأي الجماعة، ورسم نظاما سلوكيا هو مثال حي للموقف الديموقراطي بالمفهوم الحديث حيث المعارضة لا تنشق على الجماعة وبدلا من الانشقاق تنصاع لحكم الغالبية حتى وإن عارضتهم الرأي وخالفتهم النظر.
وبين النموذجين للشنفري ولدريد نجد نموذجا ثقافيا ثالثا ومختلفا هو النموذج الرومانسي الفردي الذي يمثله المثقب العبدي، ونكون أمام نموذجين فروسيين لكل منهما طابعه المتميز وثالث رومانسي، كما أستعرضناها جميعها في هذا المقال وسابقيه، وهي مجتمعة نماذج للثقافة الصحراوية المتكررة زمانا ومكانا وشكلت وتشكل الذهنية الثقافية العربية بصيغها المتعددة، ومع تعددها فإن الذي سنكتشفه في النهاية هو غلبة النموذج الرومانسي (صيغة المثقب العبدي) مع ندرة النموذج الديموقراطي الذي رأيناه عند دريد، ويغلب على المواقف الثقافية أن تتراوح ما بين المثقب والشنفري، ولو جعلنا الشعر العربي دليلا لنا على ذلك لوجدنا الخطاب الرومانسي الفرداني هو الغالب ويليه بعد درجات عديدة في الترتيب النموذج الانشقاقي الرافض والانعزالي، وهما النسقان البارزان، في حين يبقى نموذج دريد بن الصمة قليل الأثر، ونادر الوجود الى درجة ان الثقافة سارعت الى تشويهه عبر كسر الاستشهاد به وافراد بيت من أبياته يترتب على افراده تشويه الموقف وتزييف الوعي وإلغاء التجربة، وهذه حيلة من الحيل النسقية في تشويه الجميل وتحويله الى قبيح حتى ليكون قوله (وهل إنا إلا من غزية) بصيغة: وما أنا إلا من غزية، بإحالة على معنى التسليم والشخص الإمعة الذي لا يملك رأيا ولا تصريفا، ويتحول النموذج الديموقراطي الناقد المعارض والصادق في نقده ومعارضته الى نموذج سلبي مسلوب الارادة، وهو كما قلنا ما يفعله النسق في حيل ثقافية خطيرة عبر توظيف الاستشهاد توظيفاً محرفاً ومزيفاً، يتم فيه فصل الوعي عن الذاكرة الثقافية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.