بقلوب يعتصرها الحزن، وبذاكرة ثقافية مثقلة بالامتنان، نودّع اليوم قامة فنية استثنائية، ورمزًا من رموز التشكيل في المملكة العربية السعودية، الفنانة الرائدة منى عبدالله القصبي، التي لم تكن مجرد فنانة، بل كانت مشروعًا ثقافيًا حيًّا، ومؤسسة لوعي بصري امتد أثره عبر أجيال. لقد شكّل رحيلها خسارة فادحة للمشهد التشكيلي السعودي، فهي واحدة من الرعيل الأول الذين أسّسوا البنية التحتية للفن، وأسهموا في تحويله من ممارسة فردية إلى حراك مؤسسي مستدام. سيرة ومسيرة.. من الفن إلى التأسيس ولدت منى القصبي في مدينة جدة 1378، وتخرجت في جامعة الملك عبدالعزيز تخصص اللغة الإنجليزية 1400، لكنها اختارت أن تكتب سيرتها بلغة اللون والخط والكتلة. شقّت طريقها الفني عبر مشاركات واسعة تجاوزت المئة معرض جماعي، إضافة إلى معارضها الشخصية التي حملت بصمتها الخاصة. غير أن إنجازها الأبرز لم يكن في اللوحة وحدها، بل في تأسيسها للمركز السعودي للفنون التشكيلية عام 1408ه، ليكون أحد أوائل الكيانات الفنية المتخصصة في المملكة. هذا المركز لم يكن مجرد صالة عرض، بل مدرسة فنية مفتوحة، خرّجت أجيالًا من الفنانين والفنانات، وأسهمت في تشكيل الذائقة البصرية في المجتمع. أثر ثقافي يتجاوز اللوحة كرّست القصبي حياتها للفن بوصفه رسالة تربوية وثقافية، فدعمت المواهب الناشئة، وأقامت الدورات والورش، ونظّمت المعارض التي منحت الفرصة للفنانين للظهور والاحتكاك بالساحة الفنية، لقد تحوّل المركز الذي أسسته إلى منصة حيوية لإطلاق الطاقات الإبداعية، وإلى أحد المعالم الثقافية في جدة. ولم يكن تأثيرها محليًا فحسب، بل امتد إلى مشاركات عربية ودولية، حصدت خلالها جوائز وتكريمات متعددة، تقديرًا لدورها الريادي في خدمة الفن التشكيلي. ريادة نسوية في زمن التأسيس في زمن لم تكن فيه المؤسسات الفنية متاحة بسهولة، كانت منى القصبي واحدة من النساء اللواتي اقتحمن المجال بثقة، وأسسن لمساحة إبداعية حرة. وقد وُصفت بأنها من رائدات الفن التشكيلي الطبيعي والتعبيري في المملكة، وأسهمت في فتح الأبواب أمام حضور المرأة في المشهد الفني السعودي. تحاول تجربة الفنانة منى القصبي لإيجاد توازن بين الحسّ الطبيعي والانفعال التعبيري، حيث لا تُستدعى الطبيعة في لوحاتها كموضوع للتمثيل، بل كحقل لإعادة التأويل. فالعناصر البصرية تتحول لديها إلى إشارات وجدانية، تُعيد صياغة العلاقة بين الفنان والمكان، في تقاطع واضح مع روح التعبيرية دون الوقوع في تقليديتها الغربية. أما على مستوى اللون، تشتغل القصبي ضمن منظومة لونية تميل إلى الاعتدال والتوازن، حيث تبرز الألوان الترابية والدرجات الدافئة بوصفها حوامل دلالية تعكس ارتباطًا عميقًا بالبيئة المحلية. اللون هنا لا يؤدي وظيفة وصفية، بل يتجاوزها ليغدو أداة للتعبير عن الحالة الشعورية، ما يمنح أعمالها طابعًا تأمليًا يقترب من النزعة الداخلية في الفن. الوداع الذي لا يُنهي الأثر إن رحيل منى القصبي لا يعني غيابها، فالأثر الذي تركته لا يُقاس بعمر، بل بامتداد تأثيره. كل فنانة خرجت من عباءة المركز، وكل معرض أُقيم، وكل موهبة وجدت طريقها إلى الضوء، هي شاهد حي على مشروعها الثقافي. لقد آمنت بأن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية، وبأن الجمال يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع. أخيراً، نمضي اليوم ونحن نردّد رحم الله من زرعت الجمال في أرضنا، وأيقظت فينا حسّ الرؤية. ستظل منى القصبي اسمًا محفورًا في ذاكرة الفن السعودي، لا كفنانة فقط، بل كمؤسسة لمرحلة، وصانعة لجيل، وحارسة لذاكرة بصرية لن تغيب. «إنا لله وإنا إليه راجعون». * فنان وناقد فني من أعمال الراحلة منى القصبي