يُعدّ القياس أداةً مركزية في بناء الأحكام، سواء في الفقه أو في مجالات النقد والمعرفة. غير أن هذه الأداة تفقد قيمتها حين تُبنى على علّة غير منضبطة أو أصلٍ غير صحيح، فينشأ ما يُعرف ب«القياس الفاسد». وفي المجال الجمالي، تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح حين يُتخذ الاختلاف أو الغرابة علّةً للحكم بالإبداع، فيُقاس كل غريب على أنه بديع، وهو قياس مختلّ من جهة الأصل والعلّة معًا. فالأصل في الحكم الجمالي ليس مجرد الخروج عن المألوف، بل تحقيق التناسب والملاءمة والمعنى، وهي معايير متجذّرة في الفطرة الإنسانية، وتتأكد بالخبرة والمعرفة. أما الغرابة فهي وصفٌ عارض، قد يكون نتيجة إبداعٍ حقيقي، وقد يكون نتيجة خللٍ أو انقطاع عن الأصول. وعليه، فإن جعل الغرابة علّةً للحكم بالإبداع يُعدّ تحريفًا لمناط الحكم، ونقلًا له من جوهره إلى مظهره. وينشأ عن هذا القياس الفاسد اختلاطٌ في الذوق، حيث يتداخل: الذوق الفطري: القائم على إدراك التناسق والانسجام الذوق المكتسب: المتأثر بالثقافة السائدة أو الخطابات النخبوية او التعصب المذهبي المعماري فإذا لم يُضبط الذوق المكتسب بأصولٍ معرفية راسخة، طغى على الذوق الفطري، وأعاد تشكيله وفق معايير مشوّهة، فيُستحسن ما يُستنكر، ويُستنكر ما هو أصيل. ومع تراكم هذا الخلل، يتحول الحكم الجمالي من تمييزٍ موضوعي نسبي إلى تعصّب ذوقي، يُدافع فيه عن الغريب لذاته، لا لقيمته. ومن هنا تظهر الحاجة إلى التأثيل بوصفه آليةً تصحيحية؛ إذ يعمل على ردّ الأحكام إلى أصولها، وتحديد العلل الصحيحة التي يُبنى عليها التقييم. فالتأثيل يُعيد تعريف الإبداع لا بوصفه غرابة، بل بوصفه تحوّلًا مؤسَّسًا: ينطلق من فهم الأصول، ويعيد إنتاجها في صورة جديدة تحقق إضافة حقيقية. وبهذا، يُبطل القياس الفاسد، ويُقيم بدلًا منه قياسًا صحيحًا، تكون علّته القيمة المتحققة لا الشكل الظاهر. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن أزمة الحكم الجمالي في كثير من السياقات المعاصرة ليست في غياب الذوق، بل في فساد القياس الذي يُوجّه هذا الذوق، ولا سبيل إلى إصلاحه إلا بإعادة بناء العلاقة بين الفطرة والمعرفة من خلال تأثيلٍ يعيد للذوق ميزانه، وللإبداع معناه.