لقد اجتهدت باكستان في وساطتها، وبذلت جهودًا عظيمة حتى تنهي الصراع والنزاع ويحل السّلام والاستقرار في المنطقة والعالم، إلا أنها غير مسؤولة عن النتائج السلبية التي قد يصل لها الطرفان المفاوضان الأميركي والإيراني بسبب عدم التقاء رؤيتهم لمستقبل السياسة الإقليمية.. في 8 أبريل 2026م، توقف إطلاق النار، وابتدأت الهدنة لمدة أسبوعين، واختيرت باكستان مكاناً للتفاوض بين الولاياتالمتحدةوإيران. نعم، فبعد أربعين يوماً من الصراع المسلح الأميركي الإسرائيلي مع إيران الذي ابتدأ في 28 فبراير 2026م، اتفق الطرفان الأميركي والإيراني على الجلوس على طاولة المفاوضات في إسلام آباد لإنهاء الصراع المسلح وتسوية المسائل التي أدت تدريجياً إلى تصاعد الصراع إلى مستويات غير مسبوقة. وبعد أربعة أيام من بدء الهدنة والإعلان عن فشل المفاوضات في 12 أبريل 2026م، أعلنت الولاياتالمتحدة فرض حصار بحري على إيران في 13 أبريل 2026م. نعم، إن الانتقال من مرحلة الهُدنة والمفاوضات والتفاؤل إلى مرحلة فرض الحصار البحري الأميركي على إيران لمنع الحركة الملاحية في الموانئ الإيرانية منعاً تاماً، يدلل دلالة مباشرة على الاختلافات العميقة والجذرية بين الرؤيتين الأميركية والإيرانية للمفاوضات. وهذه الاختلافات العميقة نابعة بشكل أساسي من اعتبارات عدة، فهناك اختلافات صنعتها وعمقتها ال 47 عاماً من حكم نظام الخُميني الذي تأسس في فبراير 1979م، والتي تتمثل بعدد من النقاط، منها: 1) الانقلاب الجذري على العلاقات المتميزة بين الولاياتالمتحدةوإيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي وتبدلها بوصول الخُميني للسلطة. 2) خروج نظام الخُميني على الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية بإعلانه تصدير الثورة (الفوضى) لدول المنطقة والعالم. 3) تبني نظام الخُميني لأفكار وتوجهات متطرفة هدفها زعزعة أمن واستقرار الشعوب والمجتمعات والدول. 4) قيام نظام الخُميني بتأسيس ودعم وتمويل ميليشيات مُسلحة في عدد من الدول العربية وغير العربية. 5) قيام نظام الخُميني بتأسيس خلايا تجسسية في عدد من الدول بهدف زعزعزعة أمنها وسلمها واستقرارها الاجتماعي والسياسي. 6) تبني نظام الخُميني لأفكار وشعارات تحرض على كراهية الولاياتالمتحدة التي تصفها ب "الشيطان الأكبر"، وإسرائيل التي تصفها ب "الشيطان الأصغر". وإذا كانت هذه بعض النقاط التي تسببت تاريخياً بصناعة وتعميق الاختلافات بين الولاياتالمتحدةوإيران، فإن هناك عددا من النقاط تؤكد على مدى عمق وتجذر الاختلافات بين الرؤيتين الأميركية والإيرانية للمفاوضات، ومن هذه النقاط، الآتي: 1) تتمثل الرؤية الأميركية بوجوب فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية عملاً بالقانون الدولي، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية بفرض رسوم عبور على جميع الناقلات البحرية بما يتناقض مع حرية الملاحة البحرية التي كفلها القانون الدولي. 2) تتمثل الرؤية الأميركية بوجوب التزام إيران بعدم التدخل في الشوؤن الداخلية للدول من خلال عملائها وجواسيسها وأتباعها، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية بأحقيتها في ذلك انطلاقاً من التوجهات الفكرية والأيديولوجية التي أسس لها الخُميني قبل 47 عاماً. 3) تتمثل الرؤية الأميركية بوجوب امتناع إيران عن دعم وتمويل الميليشيات الإرهابية المُسلحة في عدد من الدول مثل لبنان والعراق واليمن، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية بأهمية مواصلة دعمها وتمويلها للميليشيات الإرهابية المسلحة لأنها أدوات تحركها بالاتجاهات التي تخدم سياساتها التوسعية في المنطقة. 4) تتمثل الرؤية الأميركية بوجوب وقف البرامج النووية الإيرانية السرية الهادفة لتطوير قدرات نووية للأغراض العسكرية وقفاً تاماً وأن يكون تحت رقابة دولية مستمرة، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية بأحقية إيران في تطوير برامجها النووية بأي طريقة كانت حتى وإن كانت سرية، مع عدم رغبتها في إخضاع برامجها النووية لرقابة دولية شاملة. 5) تتمثل الرؤية الأميركية بأهمية مناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني الذي أصبحت قدراته المتطورة تهدد أمن وسلامة الدول الإقليمية والأوروبية وقد تتصاعد لمستويات أكثر في المستقبل، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية باستحالة مناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني تحت أي ظرف كان. 6) تتمثل الرؤية الأميركية بأهمية تعزيز نفوذها العالمي بالتواجد الدائم والفعال في المنطقة ومنع منافسيها الدوليين -روسياوالصين- من التواجد في منطقة الشرق الأوسط، بينما تتمثل الرؤية الإيرانية بوجوب مُغادرة الولايات المُتحدة منطقة الشرق الأوسط واستبدالها بالهيمنة الإيرانية المُطلقة مع تطلعها لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الصينوروسيا. وفي الختام، من الأهمية القول إن غياب نقاط الالتقاء في المفاوضات الأميركية - الإيرانية يدلل على نهاية سلبية للمفاوضات، ويؤشر لتوجه المنطقة نحو مرحلة جديدة من مراحل الصراع المُسلح الأميركي الإسرائيلي مع إيران لتُؤسس لحقبة سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط. نعم، لقد اجتهدت باكستان في وساطتها، وبذلت جهودا عظيمة حتى تنهي الصراع والنزاع ويحل السّلام والاستقرار في المنطقة والعالم، إلا أنها غير مسؤولة عن النتائج السلبية التي قد يصل لها الطرفان المفاوضان الأميركي والإيراني بسبب عدم التقاء رؤيتهم لمستقبل السياسة الإقليمية.