بين رمال عفيف وحكايات المستشرق البريطاني غوري تتجلى صورة حية لجزيرة العرب سنة 1935 م حيث تلتقي الدبلوماسية الأوروبية بوقار البداوة في مشهد يختزل تحولات الزمان والمكان. كانت الرحلة من الرياض صوب الحجاز محفوفة بجمال الصحراء الموحشة وهيبة الأمن الذي بدأ يضرب جذوره في الأرض بفضل سياسة الملك عبدالعزيز، ورغم تلك السكينة التي بسطها الحكم الجديد إلا أن بقايا اللصوص والمتمردين كانت لا تزال تشكل قصصا تروى في الفيافي الواسعة والبعيدة وسط ملاحقة جادة لبسط أمن حقيقي. لقي غوري والفريق الدبلوماسي المرافق ترحيبا حارا وكرما من أهالي عفيف التي كانت مركزا جديدا لتزويد السيارات بالوقود تبعهم أهالي الدوادمي بنفس الحفاوة والترحاب كانت هذه المشاعر محل امتنان وشكر الفريق الدبلوماسي. في الطريق ترجل غوري ورفاقه قرب إبل ترعى ونادوا على راعيها رغبة في استقصاء الأخبار فجاءهم شاب في العشرين من عمره اسمه سعيد يمشي بوقار بطيء وثقة هادئة لم يكن مرتبكا رغم عزلته وحداثة سنة بل وقف بلباقة على عصاه الطويلة ليرد السلام بإطراءات البدو المعتادة كان يرتدي قميصا عتيقا باليا صار لونه من القدم بلون «القرون» كما قال وهي الجدائل الطويلة التي كانت تتدلى على عنقه يفاخر بطولها ويتباهى بها عند الفتيات في المرعى وعند تجمعات موارد المياه، حيث كان الرجال يعتنون بشعورهم ويظفرونها على شكل جدائل طويلة تغسل يوميا بأبوال الإبل، وبينما كان غوري يتأمل هذا الشاب الذي يشبه شخصيات حكايات تشوسر القديمة كما قال حذرهم الشاب من الطريق وبدأ الاثنان في رسم خرائط مواقع تستوجب الحذر من الممكن أن يختبئ بها اللصوص. لقد قدم الشاب وصفا حيا ودقيقا للمجرمين الفارين وكأنه يراهم رأي العين، موضحا أن رجال الملك يلاحقونهم وأنهم في حالة استماتة للحصول على الزاد والركوب ولم يكتفِ الشاب برسم المسارات بل تطرق حتى لأماكن قدوم أولئك اللصوص مما أشعر غوري بأنه التقى بتلك العصابات شخصيا من فرط حيوية السرد ودقة المعلومة التي قدمها هذا البدوي النبيه. ابن الصحراء يرسم فوق الرمل خريطة مسار اللصوص للبريطاني غوري وفي لفتة تعكس حدة الذكاء الفطري سأل غوري الشاب عما إذا كان قد سمع بحرب قد تنشب في الغرب فرد الشاب باقتضاب حذر متسائلا: هل هي بين الكفار وعندما أكد له غوري ذلك قال ببرود تام الحمد لله دعهم يتحاربون فيما بينهم (الله يسلط العدو على العدو) كان الشاب يظن أن غوري رجل من حاشية الشام ولم يدر بخلده أنه مسيحي بريطاني وهو ما عزاه غوري إلى التعليم المتشدد في أعماق الجزيرة الذي جعل الشاب ينظر للعالم الخارجي ككتلة غريبة لا تعنيه في شيء، ومع حلول المساء لم تنتهِ الحكاية بل جاء الشاب مرة أخرى إلى مخيم غوري باحثا عن المعرفة حينها فتح له غوري أطلسا جغرافيا وبدأ يشرح له حدود الإمبراطورية البريطانية الملونة بالأحمر، فما كان من راعي الإبل سعيد إلا أن نظر للخارطة بتمعن وعلق ببديهة ساخرة قائلا: إن هذا اللون الأحمر يجعل العالم يبدو وكأنه مريض ثم أردف ببراءة مذهلة أنه لم يكن يعلم أن العالم مربع وأن «الخرطوم» تقع في منتصفه تماما مما جعل غوري يقرر في نفسه ضرورة طلب مجسم كرة أرضية ترسم فيه بريطانيا باللون الأخضر رمزا للسلام والإسلام لعله يغير نظرة الشاب للعالم. في صباح اليوم التالي ظهر مشهد آخر يجسد قسوة الحياة في الصحراء مع امتزاجها بالتدين والفطرة، حيث عرض بدوي آخر جملا مريضا جاء يسوقه للبيع ليؤكل لحمه وحين رُفض العرض لمرضه وكبر سنة لم يفرط الرجل في حيوانه بل استل سكينه وجلس يراقب خروج الروح منه ليذبحه في اللحظة الأخيرة قبل نفوقه ليكون ذبحا شرعيا يحل لحمه للأكل وهو «ما يعرف عند العامة» بذبح الرحمة لكي لا يذهب الحيوان هدرا في بيئة لا تعرف الترف. كانت شخصية راع الإبل سعيد وفق رؤية غوري ضمن كتابه رحلة إلى الجزيرة العربية تمثل الذكاء الفطري والأنفة البدوية فهو رغم بساطة عيشه يمتلك سرعة بديهة تجعله يناقش سياسيين دوليين مثل غوري والوزير اندرور رئيس الفريق بندية وثقة كاملة والعائدين للتو من مقابلة الملك عبدالعزيز والسلك الدبلوماسي في الرياض، أما مشهد البدوي والجمل فهو يصور لنا واقع القسوة والتدبير في حياة الصحراء حيث لا مجال للضياع أو الإهمال. لقد كانت هذه اليومية من الرحلة التاريخية لغوري تكشف لنا أن الأمن الذي حققه الملك عبدالعزيز في أنحاء الجزيرة العربية كافة لم يكن مجرد قوة عسكرية بل كان تحولا اجتماعيا جعل البدوي يشعر بمسؤوليته تجاه استقرار الأرض وفي الوقت ذاته حافظت هذه الشخصيات الصحراوية على نقائها وقدرتها على إبهار الرحالة بآرائها الصريحة التي لا تجامل القوى العظمى ولا تخضع لمنطق الخرائط الملونة بل لمنطق الرمل والواقع الذي يعيشونه بكل فخر واعتزاز. الإنجليزي غوري بالزي العربي دوريات تجوب الصحارى على ظهور الركايب لضبط الأمن بدوي يسوق جملاً هزيلاً ومريضاً