يجلس الحاج الإندونيسي «سيري» على كرسيه المتحرك، وقد تجاوز الثمانين من عمره، فيما تبدو على ملامحه حكاية سنواتٍ طويلة من العمل والصبر، اختصرها حلم واحد ظل يرافقه منذ شبابه: أن يصل إلى مكة حاجًا. قضى «سيري» حياته في الفلاحة، يعمل بين الأرض ومواسمها، يجمع المال عامًا بعد عام. لم يبدأ الحلم بنفسه، بل بزوجته؛ إذ أمضى سنواتٍ يدخر لتؤدي فريضة الحج، حتى تحقق لها ذلك قبل نحو عشرة أعوام. ومنذ ذلك الحين، بدأ ينتظر فرصته، مؤجلًا أمنيته بصبرٍ لا ينكسر. يستعيد «سيري» تلك السنوات قائلاً: «كنت أتمنى أن أحج وأنا أصغر سنًا.. في شبابي كنت قويًا ونشيطًا، أما اليوم فأنا متعب وعلى كرسي متحرك». ورغم ثقل العمر، لم يخفت الشوق، بل ظل يتجدد كل عام: «كنت أشاهد الحجاج في المشاعر عبر التلفزيون، وأدعو الله أن أكون معهم في العام الذي يليه». هذا العام، جاءه الخبر الذي طال انتظاره؛ القبول في الحج. لحظة بدت له كأنها تعويض عن سنواتٍ من الترقب والدعاء. رحلة «سيري» تبدأ من مطار سلطان حسن الدين الدولي بمدينة ماكاسار بجمهورية إندونيسيا، حيث أنهى إجراءاته في بلده ضمن «مبادرة طريق مكة»، التي اختصرت عليه مشقة الانتظار والتنقل. يقول: «أخبرونا أننا سننهي إجراءاتنا هنا.. وهذه خدمة مميزة تقدمها المملكة لضيوف بيت الله». ويرى أن ما تقدمه المملكة يتجاوز حدود التنظيم المعتاد، مضيفًا: «خدمة الحجاج وإدارة الحشود ليست سهلة.. المملكة هي من تستطيع القيام بذلك». وعلى الرغم من اعتماده على الكرسي المتحرك، إلا أن الطمأنينة تسبق رحلته: «قيل لنا إننا سنحظى باهتمام منذ لحظة وصولنا حتى عودتنا.. نقل، وخدمات صحية، ومواصلات، ومبيت.. وهذا عمل جبار يحسب للمملكة». ثمانون عامًا من الكفاح، وعشر سنوات من الانتظار بعد حج زوجته، لم تُثنِ «سيري» عن حلمه. اليوم، وهو في طريقه إلى مكة، تبدو الرحلة أكبر من مجرد انتقالٍ جغرافي؛ إنها حكاية عمرٍ كامل، كُتب لها أن تكتمل.. ولو بعد حين. «سيري» يأتي حاجًا بعد أن حقق الحلم لزوجته