(هناك من يعلم عنك أكثر منك).. كما في قوله تعالى (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) البقرة - 77. يحسِب الإنسان بأن سره لا يعلمه أحد؛ ولا يرد في روعه بأنه يمكن أن يكون هناك أحد يعرف ما يفكر بقوله أو فعله؛ وهذا في حق الخلق وارد؛ لكنه في حق الخالق مختلف. إذ يستوي عند الله ما تسر وما تعلن فهو علام الغيوب. بل إنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وفي القرآن الكريم حينما يُذكر هذا المعنى يقدم الله معرفة السر على العلن لأنه بالنسبة له سبحانه سيان كما في التنزيل الحكيم (يعلم السر وأخفى) طه 7؛ وكذلك (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه) البقرة - 284. وهذه القاعدة القرآنية تؤدبنا على أن نكون أولا على يقين بعلم الله الأزلي لكل مخلوقاته وحركاتهم وسكناتهم (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الأنعام - 59؛ أي كل هذا معلوم ومكتوب، فكيف بأفعال الناس؟. بل إنه سبحانه كتب ما سوف يكون قبل خلق الخلائق كما في الحديث الشريف في قول النبي : "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" (رواه مسلم). يوضح الحديث أن الله تعالى قدّر كافة مقادير الخلائق، من أرزاق، وآجال، وأعمال، وسعادة وشقاء، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل خلق الكون، وهي واقعة كما قدرها الله. وهذا المعنى لا يرد حتما على أصحاب التنظير المادي لأن الإنسان (بالنسبة لهم وعندهم) هو من يدير ما يريد دون تقدير من الله، وهذا في عرف علماء الاجتماع الغربي كثير فتقريراتهم المادية هي الغالبة في تفسير الظواهر الإنسانية. وأن المتغيرات يؤثر بعضها ببعض وأن المتغير الأساسي يؤثر على المتغير أو المتغيرات الافتراضية أو التابعة. وهذا إن صح (أحيانا) في عملية التفسير الأنساني فإنه لا يخرج مطلقا وأبدا عن (التقدير الرباني)؛ بل ذلك هو المعنى الحقيقي (للإيمان بالقضاء والقدر) وهو الركن السادس من أركان الإيمان. ثم إن ذلك في الواقع الشخصي والإنساني -أعني الإيمان بالقضاء والقدر- يضفي على حياة الإنسان والناس نوعا من الطمأنينة والإطمئنان الاجتماعي بأن كل شيء مقدر ومكتوب؛ وبالتالي يطرد من حياة الإنسان والناس الجشع والطمع والقلق والتعلق المحض بأسباب الدنيا دون عملية التوكل على الله. ️ إن رؤيتنا في علم الاجتماع تحتاج لأن تراجع كثيرا هذا المعنى وهذا المحتوى (التفسيري)، وتعيد النظر فيه لتجعل من أصول تفسير الظواهر ما يترتب على فعل الإنسان من خير وشر وصدق وأمانة وتحمل للمسؤولية لأن هذه المعاني تلعب دورا كبيرا فيما يمكن أن يحدث في واقع الناس. وذلك ما أسميه فيما أفكر فيه (بنظرية الكسب) أي أن ما يكسبه الإنسان في حياته وتصرفاته ينعكس حتما على واقعه وحياته. (فبما كسبت أيديكم) الشورى - 30؛ وهذه ستكون بإذن الله أحد الطروحات الأساسية للتنظير الذي ينطلق من الرؤية الإسلامية تجاه ما يحدث في الواقع من مظاهر وظواهر وأحداث (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيد الناس) الروم - 41، ويعلم المتخصصون في علم الاجتماع بأن هذا الفساد الذي يظهر في الحياة ليس محل فهم أو نقاش في الرؤية الغربية لأنهم لا يؤمنون به أو لا يعلمونه أو لا يفقهونه. أما ما نؤمن به (نحن كمسلمين) فهو جزء من عقيدتنا، وبالتالي يجب أن يكون جزءا من فهمنا ومن تحليلاتنا وتفسيراتنا للواقع الاجتماعي وما يمكن أن يحدث فيه، (وذلك علم وفقه ووعي نحتاج لتأمله وتدبره كثيراً).