الدنيا مطبوعة على الكدر، وطبائع الناس متباينة، وأهواؤهم متناقضة.. والإنسان بحاجة إلى أن تكون عنده قواعد سليمة للتعاطي مع الهفوات والتجاوزات؛ للتقليل من آثارها على النفس، وتفادياً لتوسيع الفجوات فيما لا يستدعي ذلك.. لا يخلو الإنسان -ما دام حيّاً- من التعرض لاختباراتٍ كثيرةٍ، تُظهرُ مدى تحمُّله وقدرته على مواجهة التحديات، فمن هذه التحدياتِ ما هو عوارضُ تعرضُ لمن قُدِّرت عليه، ولم تنشأ عن فعل الآخرين، وذلك كالمرضِ والفقر ونحوهما، ومنها ما هو ناشئٌ عن سلوك الفرد تجاه الآخر، ولا انفكاك للإنسان عن التعرض لهذا النوع من الاختبارات؛ لأن الدنيا مطبوعةٌ على الكدرِ، وطبائع الناس متباينةٌ، وأهواؤهم متناقضةٌ، وفي الوقت نفسه يحتاج الإنسانُ إلى معايشةِ غيره ومخالطته، وإلى التعامل مع كثيرين ولو لم يخالطهم، كما لا يخلو من التلاقي العابر مع من لا يعرف عنهم شيئاً، وكل فردٍ من هذه الفئات غير معصومٍ من هفواتٍ تصدرُ منه من غير إصرارٍ على الإضرار، ومن تجاوزاتٍ متعمدةٍ يهدف من خلالها إلى الإيذاء، وقد تكثر هذه الإشكالات عند أحدهم، بحيث تُسفرُ التجربة عن صعوبة التعامل معه أو الاختلاط به، وقد تندر عند الآخرين، بحيث يثق معارفه بأنَّ ما يبدر منه إنما هو هفوةٌ من حليمٍ، وكبوةٌ من جوادٍ، والإنسانُ بحاجةٍ إلى أن تكون عنده قواعدُ سليمةٌ للتعاطي مع الهفوات والتجاوزات؛ للتقليل من آثارها على النفس، وتفادياً لتوسيع الفجوات فيما لا يستدعي ذلك، ولي مع التعاطي مع الهفوات والتجاوزات وقفاتٌ: الأولى: التعرُّضُ للتّجاوز مصيبةٌ من المصائب، وهذه المصيبة -كغيرها من المصائب- في أنَّ التعاطي المناسب معها هو الصبر مع صدمتها الأولى، ولا يُجدي الصبر الجدوى المطلوبَة إلا إذا كان فورَ نزول المصيبة، فلو حمل الإنسان نفسه على الصبر عليها بعد ذلك لم يكن لذلك الأثر الأمثل، وقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى»، وهذا واردٌ في مصيبة موت الأحبَّة، لكن العبرة بعمومه، فهو من جوامع الكلم، ويدخل فيه الصبر عند صدمة الجفاء، فإنَّ مفاجأته تزعزع اللُّبَّ، لا سيّما إذا كان التجاوز صادراً من أقارب الشخص وأصدقائه وأهل ثقته، فإذا لم يُقابل بالصبر في وقته فإنّه سينجرُّ إلى ردة فعلٍ تتسع بها الخروق، وتتعقد بها الأمور، فلا يكون للصبر بعد ذلك أثرٌ ذو بالٍ، فإن الجفاءَ إذا تمادى فيه الطرفان بالفعل وردته أدّى إلى صدوعٍ في العلاقة، وبعض هذه الصدوع يصعب علاجها، وكم رأيْنا وسمعنا سوءَ تفاهمٍ استعصى عن الحلولِ أو تمَّ التوصل فيه إلى حلٍّ بعد جهودٍ مضنيةٍ، وكان ذلك مكلفاً ماديّاً ومعنويّاً، وليس ذلك لكونِ الجفوة الأولى منه خطيرةً أو فادحَةَ الوقْع، بل لأجل أنَّ شعلة الجفاء فيه لاقت وقوداً من ردّة الفعل، فلم يتمالك كلٌّ من الطرفين نفسَه، ونتج عن ذلك عنتٌ لهما ولمن حولهما، وأسوأ ما يكون ذلك إذا حصل بين الزوجين، وامتدَّت آثاره إلى أفرادِ الأسرة. الثانية: الصبر عند صدمة التجاوز الأولى تعني ضبط الموقف عن التصعيد غير المحسوب، ولا تعني ضياع حق المظلوم، ولا التخلي عن حقه في الانتصاف إن شاء وكيف ومتى شاء، على وفق ما يأذن به الشّرع والنظام، والخيارات المشروعة للمظلوم كلُّها تحتاج إلى امتصاص الصدمة الأولى من التجاوز ومواجهتها بالصبر؛ لأن الخيارات ثلاثة: أولها: الصفح والعفوُ، ولا يمكن هذا إلا بالصبر، وهو المأمور به في قوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، والمنزلق في الخصومة بلا ضبط نفسٍ أبعد ما يكون عن العفو، ثانيها: المعاملة بالمثل، وهو مأذونٌ فيه بقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)، وإذا لم يصبر عند الصدمة فلن يكون جزاؤه بالمثل، وإذا تجاوز فعليه تبعة ذلك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ»، أخرجه مسلم، وثالثها: الانتصاف بواسطة سلطة الجهات المختصَّة؛ ولكي يتمحض الحق للمظلوم لا بد أن يضبط نفسه عن التجاوز في حق الجافي بما يجعل كلّاً منهما ظالماً ومظلوماً. الثالثة: إذا كان المظلومُ مطلوباً بضبط النفس فيما يواجهه فمن باب أولى الظالم، فالظالم عليه أن يوسع صدره لردة الفعل التي تسبَّب فيها إذا ردَّ عليه المظلوم بالمثل، أو انتصف منه من خلال النظام، بل هذه فرصةٌ للظالم للنجاة من التبعة، فإنه إذا لم يتحلل منها في الدنيا حوسب بها في الموقف، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ»، أخرجه البخاري، وسيكون ظالماً مرتين إذا جمع بين الظلم وبين تقمُّص ثوب المظلومية عند مدافعة المظلوم له، على حدِّ قول المثل العربيِّ القديم: (رَمَتْني بدائها وانْسَلَّتْ).