يواجه النظام في إيران أزمة بقاء؛ وليس أزمة حرب خاطفة؛ وهو ما يطرح سؤالًا مهمًا عن تكتيكاته المستقبلية في التعامل مع الموقف؛ لا سيما وأن تطورات الحرب الآن تكشف عن تشابه قراراته مع قرارات صدام حسين وقت شعوره بالتلاشي من على خارطة المجتمع الدولي في حرب الخليج الثانية حيث قام بحرق آبار النفط في الكويت؛ ثم هاجم باقي دول الخليج بارتباك واضح خصوصًا المملكة العربية السعودية. إن النظام في إيران يدرك جيدًا أن استمراريته في الحكم ربما هي على المحك؛ مهما حاول صناعة سرديات مغايرة لهذا الواقع؛ وهو وفق المفهوم الإستراتيجي في موقف ضعف؛ قياسًا بالحالة التي عليها عدوه والمقصود هنا الولاياتالمتحدة. يكشف المشهد الآني أن الأنظمة الضعيفة حينما تواجه دولاً أقوى؛ فإن تعاملها نادراً ما يكون متكافئاً؛ لذا تلجأ إلى أساليب غير مباشرة لموازنة قوتها، مثل محاولة إطالة أمد المعارك، ليس بهدف تحقيق نصر عسكري ؛ بل بهدف التأثير على البيئة السياسية التي تعمل فيها الدولة الأقوى؛ والضعف العسكري الإيراني الحالي يدفع طهران إلى التحول نحو المجال السياسي، أملًا في تحقيق انقسامات لدى الدول المتضررة من الصراع قد تعوض عجزه عن الانتصار في ساحة المعركة؛ وهو ما يدركه المفاوض الإيراني الذي يعلم يقينًا أنه لن يستطيع الانتصار عسكريًا؛ لذا يعمد إلى تكتيكات مختلفة يحاول من خلالها منع الولاياتالمتحدة من العمل بتماسك وحسم على المدى الطويل؛ كما أن المتابع لتطورات المشهد الآن يكتشف محاولات نظام طهران إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة؛ من خلال رهاناته على الانقسامات؛ وتعزيز الروايات المتنافسة؛ دون مواجهتها بشكل مباشر. السلوك الإيراني الحالي ليس بالأمر الجديد؛ فقد أتبعته فيتنام الشمالية خلال ما يُعرف بمحادثات باريس في الفترة من 1968 وحتى 1973؛ حينما راهنت على إطالة وقت التفاوض؛ وقدمت سردية موازية عززت فيها من مظلوميتها، ونسقت خطابها مع المشاعر المناهضة للحرب، وهو تكتيك أسهم من الناحية الواقعية في تفتيت التماسك السياسي الداعم للهجمات الأميركية؛ وأنهاه بقوة رغم تفوق القدرات العسكرية الأميركية مقارنة بقدرات فيتنام؛ ليدون ما أصبح يُعرف لاحقًا في العلوم السياسية بإستراتيجيات بقاء الأنظمة الضعيفة استنادًا إلى تجاوز وحدة الأنظمة القوية؛ وهو ما يحاول النظام الإيراني العمل عليه الآن من خلال رفع وتيرة الاختلافات وتحويلها إلى نقاط قوة؛ مع ترويجه لسرديات مضللة عن استعداده للتفاوض ومزاعمه بعدم مهاجمة دول الجوار، أملا في أن يخلق ذلك ضغطاً شعبيًا على المدى الطويل بدعم من تيارات اليسار أو التيارات الإيديولوجية التي تبحث عن الانتقام من هزائمها التي لحقت بها في بعض العواصم العربية منذ 2015. إن ما يقوم به النظام في إيران الآن هو حالة من التذاكي السياسي للخروج من مأزق السقوط الحتمي؛ وإن المتابع يدرك جيدًا أن المفاوض الذي يمثله إنما يتلاعب في منطقة رمادية؛ ليس بهدف تحقيق نتائج تعكس رغبة حقيقية في إنهاء الصراع؛ قدر ما تعكس رغبات مضللة في بث حالات من الاطمئنان المزيف؛ والركون إلى نشر ادعاءات غير صادقة؛ لإطالة أمد الأزمة؛ طمعًا في تفتيت وحدة مواقف الدول المتضررة؛ وهو تكتيك يعكس فهمًا إيرانيًا بأن نتيجة الصراع الحالي لن تُحدد بالقدرات العسكرية وحدها.