لم يعد الحديث عن تراجع منتخبنا السعودي لكرة القدم، مجرد طرح إعلامي عابر أو موجة نقد موسمية، أصبح سؤالًا حقيقيًا عن معنى هذا المنتخب في وجدان الناس، وعن علاقته بجمهوره قبل نتائجه، لأن المشكلة لم تعد في خسارة مباراة أو تراجع تصنيف، ولكن في انقطاع العلاقة بين المنتخب وجماهيره، ذلك الخيط الذي كان يومًا ما أقوى من أي بطولة، وأبقى من أي جيل.! اليوم نحن لا نخسر نقاطًا فقط، نخسر شعورًا جمعيًا كان يجعل هذا المنتخب قضية وطنية يتوحد حولها الجميع دون استثناء، أما الآن فقد تراجع الحضور، وخفت الصوت، وانقسم الانتماء حتى أصبح النادي أقرب إلى القلب من المنتخب، بل وأصدق تمثيلًا له في نظر كثيرين. نملك القدرة على الانتصار الكبير لكننا نفتقد القدرة على بناء منتخب يعيش منافسًا جيل كامل في مجتمعنا، لم يعرف ولم يتذوق طعم بطولة مع المنتخب، جيل لم تتشكل ذاكرته إلا على لحظة يتيمة كمباراة السعودية مع الأرجنتين، تلك المباراة التي تحولت من نقطة انطلاق محتملة إلى حكاية نكررها كلما ضاقت بنا النتائج، وكأننا نعيش على وهج لحظة لا على مشروع مستمر، بينما العالم من حولنا لا يحتفي بالمفاجآت بقدر ما يصنع الاستمرارية، وهنا تحديدًا تتجلى الفجوة، فنحن نملك القدرة على الانتصار الكبير، لكننا نفتقد القدرة على بناء منتخب يعيش طويلًا في دائرة المنافسة. الأخطر من ذلك أن المنتخب لم يعد مساحة جامعة كما كان، إنما أصبح امتدادًا لصراعات الأندية وتعصباتها، فبدل أن يذوب التعصب عند بوابة المنتخب، انتقل إليه، وأصبح اللاعب يُقيّم بلون ناديه، ويُنتقد من زاوية انتمائه، وتُفسر اختيارات القائمة بمعايير لا علاقة لها بالميدان. ومع هذا التحول خسر المنتخب أهم ما كان يملكه: ثقة الناس ونقاؤهم، فلم يعد الجمهور يأتي وهو متجرد، أصبح يأتي محمّلًا بمواقف مسبقة، إما أن يجد ما يؤكدها أو يغادر وهو أكثر قناعة بها، وهكذا يتحول المنتخب من مظلة جامعة إلى ساحة جدل، ومن رمز وطني إلى ملف قابل للنقاش والاصطفاف. وفي خضم هذا المشهد، جاء التوجه نحو ابتعاث اللاعبين صغارًا إلى الخارج كحل يبدو حديثًا ومتقدمًا، وكحل في نظر البعض، لإن الأندية لم تعد تقدم لاعبين كما قبل.! لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أثمر هذا المسار كما كنا نأمل؟ هل عاد لنا لاعب مختلف يصنع الفارق؟ أم عاد بعضهم وقد فقد شيئًا من هويته دون أن يكتسب ما يكفي ليعوضها؟ الاحتراف لا يُستورد جاهزًا، ولا يمكن أن نصنع لاعبًا حقيقيًا بعيدًا عن بيئته الأولى، عن حارته، عن ملعبه البسيط في مدرسته، عن تلك الفوضى التي تصنع الجرأة قبل المهارة. فمن حواري مكة وجازان والأحساء خرجت شخصيات كروية لا تُشبه المدارس الصارمة بقدر ما تُشبه اللعب الحر، خرج لاعب لا يخاف، لا يتردد، يلعب لأنه يحب لا لأنه مطالب، وهذه الروح تحديدًا هي ما نفتقده اليوم، لا لأن اللاعب ضعيف، ولكن لأن الطريق الذي سلكناه لصناعته لم يكن مكتملًا. الاحتراف الخارجي مرحلة تطوير وليس نقطة بداية إن الحديث عن استعدادنا لكأس العام 2034 يجب أن يكون مختلفًا، لا بوصفه حدثًا نستضيفه، بوصفه مشروعًا نبني له، ومن الوهم أن نعتقد أن منتخبًا ينافس عالميًا يمكن أن يُصنع خارج بيئته، في أكاديميات بعيدة لا تفهم تفاصيل الشخصية السعودية ولا تعيش إيقاعها، المشروع الحقيقي يبدأ من الداخل، من المدرسة، من الحي، من الملاعب المحلية التي تُعيد للكرة معناها الأول، ثم يأتي الاحتراف الخارجي كمرحلة تطوير لا كنقطة بداية، أما أن نعكس المعادلة فنحن نغامر بفقدان الأصل دون ضمان الحصول على البديل. وفي قلب هذه الصورة، يظل السؤال الإداري حاضرًا، فكل هذا لا يمكن فصله عن دور اتحاد القدم وعن مدى وضوح مشروعه، وعن قدرته على إعادة بناء العلاقة بين المنتخب وجمهوره قبل أي شيء آخر، لأن الجماهير لا تُشترى بالنتائج فقط، بل تُبنى بالثقة والاستمرارية والهوية. انقسم الانتماء حتى أصبح النادي أقرب إلى القلب من المنتخب نحن اليوم أمام استحقاقات قادمة مثل كأس العالم 26 وبطولة اسيا 27، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا سنفعل هناك، بل ماذا فعلنا هنا قبل أن نصل، هل بنينا منتخبًا يؤمن به الناس؟ هل أعدنا الجمهور إلى المدرجات لا بدافع الفراغ بل بدافع الشغف؟ هل استعدنا ذلك الشعور الذي يجعل فوز المنتخب فرحًا عامًا وخسارته حزنًا مشتركًا؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منتخب ليس أن يخسر، بل أن يُخسر جمهوره، ونحن للأسف اقتربنا من هذه المنطقة دون أن نشعر. لم يعد التأهل إنجازًا يُحتفى به، ولم تعد الأدوار النهائية سقف الطموح، ما نحتاجه اليوم أعمق من بطولة، نحتاج إلى استعادة المعنى، إلى إعادة تعريف المنتخب في وجدان الناس، إلى مشروع يعيد الجمهور قبل أن يبحث عن الكأس، لأن المنتخب الذي لا يملأ المدرجات لن يملأ خزائنه بالبطولات، والذي يفقد ثقة جماهيره لن يستعيدها بانتصار عابر، يستعيدها برحلة طويلة تبدأ بالصدق مع الذات، والاعتراف بأن الأزمة ليست في القدم التي تلعب، بل في القلب الذي لم يعد ينبض له كما كان. لكن الصدق الحقيقي يبدأ من هنا... من الطاولة التي تُتخذ عليها القرارات. فلا يمكن أن نتحدث عن منتخبٍ بلا شغف... دون أن نسأل: ماذا فعل الاتحاد السعودي لكرة القدم بكل ما مُنح له من دعم؟ ولا يمكن أن نتحدث عن تراجع... دون أن نراجع اللجان التي تغيّرت أسماؤها ولم تتغير نتائجها، والبرامج التي أُعلنت ولم تُقِم منتخبًا، والمشاريع التي صُرفت عليها الملايين ولم تُنتج لاعبًا يصنع الفارق. أخطر ما في أزمات الرياضة.. أن نعتادها.. وأن نُبررها.. وألا يُحاسَب أحد عليها لقد ضُخّ المال... لكن لم تُصنع الروح. ارتفعت الرواتب... وانخفض الدافع. أصبح اللاعب يعيش رفاهية النادي... دون أن يشعر بأن المنتخب ذروة المجد ومساحة الفداء. وحين يغيب الدافع... لا تنفع الخطط. وحين يغيب الشغف...لا تُنقذنا الأكاديميات. نحن لا نحتاج إلى مزيد من الصرف... بل إلى محاسبة على ما صُرف. لا نحتاج إلى قرارات إعلامية... ولكن إلى مشروع يُقاس أثره في الملعب لا في المؤتمرات. لا نحتاج إلى تبرير الإخفاق... بل إلى شجاعة الاعتراف به، ومساءلة من يقف خلفه كائنًا من كان. المنتخب ليس ملفًا إداريًا... ولا تجربة قابلة للتأجيل. هو صورة وطن... ومقياس جدية... واختبار صدق. نريد منتخبًا يُشبهنا حين نكون في أفضل حالاتنا: حاسمين، واثقين، نعرف ماذا نريد، ونحاسب حين نُخطئ، ونُصحح قبل أن يتراكم الخطأ. أما أن نبقى معلقين بين فوزٍ تاريخي وخساراتٍ عادية... وأن نستمر في تدوير ذات الأسماء، وذات القرارات، وذات الأعذار... فهذه ليست مرحلة... بل حلقة مغلقة. وهذه ليست أزمة نتائج فقط... بل أزمة مسؤولية. وأخطر ما في الأزمات...أن نعتادها...وأن نُبررها... وأن لا يُحاسَب أحد عليها.! خالد الباتلي