تعد ظاهرة التسول واحدة من أعقد المشكلات الاجتماعية التي واجهت المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، فهي ليست مجرد طلب للمال، بل هي عرض لمرض أعمق يضرب جذور البناء الاجتماعي والاقتصادي، ومع تطور الزمن، لم يختفِ التسول، بل تشكل بأشكال عصرية تجعل من الصعب التمييز بين المحتاج الحقيقي وبين "المحترف" الذي يتخذ من استعطاف الناس مهنة تدرّ ذهباً. يحللها علماء الاجتماع من زاوية "ثقافة الفقر"، حيث تنتقل سلوكيات معينة عبر الأجيال تجعل من الاستجداء وسيلة مقبولة للبقاء بدلاً من السعي للعمل المنتظم، ويرى علماء النفس أن هناك نوعين من الدوافع: دوافع قهرية ناتجة عن صدمات أو فقر مدقع أدى إلى انهيار "الأنا" وفقدان الكرامة، ودوافع "احترافية" تعتمد على ذكاء عاطفي حاد، فالمتسول المحترف يمتلك قدرة فائقة على قراءة لغة الجسد واختيار الضحايا وتعديل نبرة صوته لتحفيز مراكز "الشفقة" في دماغ المتلقي، وفي بعض الحالات، يتحول التسول إلى إدمان سلوكي يشبه القمار، حيث يمنح "الربح السهل" شعوراً زائفاً بالإنجاز دون مجهود. لا تقتصر الظاهرة على الدول النامية؛ ففي مدن مثل نيويورك وباريس ولندن، تنتشر ظاهرة "المشردين" الذين يمارسون التسول كجزء من نمط حياتهم، ويمثل التسول "اقتصاداً خفياً" لا يخضع للرقابة، مما يؤدي إلى تسرب أموال ضخمة خارج الدورة الاقتصادية الرسمية؛ فبدلاً من توجيه التبرعات لمشاريع تنموية، تذهب لجيوب أفراد قد يستخدمونها في أنشطة غير مشروعة. يؤدي التسول إلى تشويه الوجه الحضاري للمدن، ويساهم في استغلال الأطفال والنساء، مما يخلق جيلاً جديداً فاقداً للتعليم والقيم الإنتاجية، مع الثورة التقنية، انتقل المتسول من "رصيف الشارع" إلى "شاشة الهاتف"، فلم يعد المتسول بحاجة لارتداء ملابس ممزقة، بل يكفيه حساب وهمي على منصات التواصل الاجتماعي والقصص المفبركة عن فواتير الكهرباء، أو تكاليف العمليات الجراحية مدعومة بصور "مفبركة" بتقنيات تعديل الصور. اتخذت المملكة خطوات حازمة ومنظمة للحد من هذه الظاهرة، منطلقة من رؤية المملكة 2030 التي تسعى لتحويل المجتمع من "الرعوية" إلى "التنموية"، حيث تعمل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وفق استراتيجية تفرق بين "المحتاج" و"المتسول والممتهن"، ومن أبرز المبادرات إصدار نظام مكافحة التسول؛ الذي أقر عقوبات تصل للسجن لمدة سنة وغرامة تصل إلى 100 ألف ريال لكل من امتهن التسول أو أدار جماعة من المتسولين. وتعتبر منصة "إحسان" البديل الرسمي والآمن للراغبين في التبرع، لضمان وصول الأموال لمستحقيها الفعليين تحت إشراف حكومي. ومن المبادرات كذلك برامج التمكين؛ التي يتم فيها تحويل حالات التسول التي يثبت احتياجها الفعلي إلى برنامج "الضمان الاجتماعي المطور"، وتقديم دورات تدريبية لتأهيلهم لسوق العمل. تشير التقارير لأرقام وإحصائيات تقديرية لعام 2025 /2026 إلى نجاحات ملموسة بفضل الجهود الحكومية والحملات الأمنية والوعي المجتمعي إلى انخفاض نسبة التسول في المشاعر المقدسة بنسبة تجاوزت 40% مقارنة بالأعوام الخمسة الماضية بفضل الربط التقني والرقابة الصارمة، وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 85% من المقبوض عليهم في حملات مكافحة التسول هم من الوافدين المخالفين لنظام الإقامة، مما يؤكد أنها ظاهرة مرتبطة بمخالفة الأنظمة أكثر من كونها حاجة مادية محلية، وسجلت المنصات الوطنية (مثل إحسان) نمواً هائلاً في حجم التبرعات، مما يعكس وعي المواطن السعودي وتفضيله للقنوات التي تضمن كرامة الإنسان وتنمية الوطن. التسول ليس حلاً للفقر، بل هو استنزاف لكرامة الفرد وطاقة المجتمع، والحل يبدأ من "الوعي"؛ فإعطاء المال لمتسول في الشارع قد يكون دعماً لعصابة منظمة، بينما توجيهه للمنصات الرسمية هو بناء لمستقبل إنسان.