على مر العصور، لم تكن سماء الصحراء مجرد فضاء للنجوم، بل كانت «ساعة كونية» وضبطاً دقيقاً لإيقاع الحياة. ابتكر البدو نظاماً فلكياً فريداً يعتمد على اقتران القمر بنجوم أو نجم الثريا، وصاغوا من خلالها «قوالب سجع» تختصر مناخ العام وحالة المرعى بذكاء فطري يسبق مراكز الأرصاد الحديثة. فاعتمد البدوي والفلاح في رصده على قاعدة حسابية بسيطة لكنها عميقة؛ حيث يقترن القمر بالثريا في أوقات محددة من الشهور الهجرية (في الأيام الوترية)، وكل اقتران له دلالة مناخية مرسومة بكلمات مسجوعه ليسهل حفظها وتناقلها: «قران حادي.. على الماء ترادي»: ويكون في الحادي عشر من الشهر الهجري، ويقصد بعبارة على الماء ترادي الإبل التي تزدحم على موارد المياه. ويبدأ من أواخر ديسمبر «قران تاسع.. بردٍ لاسع»: إشارة إلى ذروة الشتاء وقسوة الصقيع. ويصادف أواخر يناير يقول راشد الخلاوي: إذا قارن القمر الثريا بتاسع يجي ليالي بردهن كباس ثمان ليالي يجمد الما على الصفا يخلي عودان العضاه يباس ويقول عدوان الهربيد: يا جريس مدلوك التسيعي كواني حزة طلوع الشمس والا غيابه ياما نلوذ بكل خضراء مثاني يومن به الشعراء ترفع ثيابه ويقولون: «قران سابع.. ربيعٍ نابع»: يبدأ من 23 فبراير ويصادف هذه الأيام حيث تبدأ ملامح الربيع في الظهور. وبعضهم يقول قران سابع مجيع وشابع. «قران خامس.. ربيع طامس»: أي أن العشب صار يغطي الأرض ويخفي معالمها من كثرته ويبدأ من 22 مارس. «قران ثالث.. ربيع ذالف»: وهو إيذان برحيل الربيع وبداية جفاف العشب. ويوافق 19 من شهر إبريل. هناك أيضا قران حادي آخر ويطلق عليه البعض قران العجز ويوافق هذا العام 16 مايو وهو آخر القرانات المشهورة قبل اشتداد الحر. هذه القوالب لم تكن مجرد «فلكلور»، بل كانت خريطة طريق للرعاة لتحديد وجهتهم ومواعيد ترحالهم بناءً على توقعات الأمطار ومنابت العشب ودرجات الحرارة. لكن، ومع دوران عجلة الزمن وصولاً إلى شتاء هذا العام، يبدو أن «قواعد القِرانات» قد واجهت تحدياً مناخياً غير مسبوق أكد معه بعض كبار السن ممن تجاوزت أعمارهم ستين وسبعين عاما أنه لم يحدث من قبل. فبينما كانت الحسابات الفلكية تشير إلى دخولنا بدءا من 27 يناير في «قران تاسع» الذي يُفترض أن يجلد الأرض ببرده اللاسع وهو ما يوافق بداية ذروة البرد الشديد، باغتت الأجواء الجميع بدفء استثنائي استمر على غير العادة حتى هذه الأيام عدنا معه في بعض المناطق الى استخدام مكيفات التبريد في بعض ساعات النهار. لقد أخلف الشتاء وعيده بالصقيع، وبقيت درجات الحرارة في مستويات ربيعية، مما أربك الحسابات التقليدية. هذا الدفء لم يكن مجرد خبر عابر، بل نتجت عنه تغييرات ملموسة في الطبيعة والنشاط البشري: ومنها النباتات البرية التي كانت تنتظر برودة الشتاء لتدخل في مرحلة السبات، إذ بدأت في النمو والازهار مبكراً، مما يهدد بجفافها السريع إذا ما واجهت موجة حر مفاجئة لاحقاً. تغير سلوك الطيور: لوحظت هجرات مبكرة لبعض أنواع الطيور التي استشعرت الدفء قبل أوانه، مما يعيد رسم خريطة التنوع في المنطقة. النشاط الاقتصادي والاجتماعي: تراجع الطلب على وسائل التدفئة والملابس الشتوية الثقيلة، في حين انتعشت سياحة «الكشتات» الربيعية في وقت كان من المفترض أن يختبئ فيه الناس داخل بيوتهم هرباً من البرد. وقد يضر أيضا بالمزروعات ومنها مزارع النخيل التي بكّر طلعها هذا العام وفي المقابل شهدت شحاً في توفر اللقاح ما يخشى أن يضر بالإنتاج جودة أو كمّا. ويرى خبراء المناخ أن ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير الأنماط الجوية العالمية بدأت تؤثر فعلياً على «التقاويم الشعبية». فرغم دقة حسابات القِرانات تاريخياً، إلا أن الغلاف الجوي لم يعد يسير بالوتيرة المستقرة التي عهدها الأجداد. ومع ذلك، يظل «قران الثريا» إرثاً فكرياً يثبت ذكاء الإنسان العربي في التكيف مع بيئته. فالدقة ليست في «ثبات الطقس»، بل في «المنهجية» التي وضعها البدو لربط الأرض بالسماء. ختاماً، يبقى شتاء هذا العام درساً في «المفاجآت المناخية»، ليذكرنا بأن الطبيعة قد تخرج عن النص أحياناً، وأن الحكمة البدوية التي صمدت قروناً، تحتاج اليوم منّا إلى تدوين جديد يأخذ بعين الاعتبار «الشتاء الدافئ» وتحولاته التي غيرت وجه الصحراء. قران خامس.. ربيع طامس قران حادي.. على الماء ترادي هجرات مبكرة لبعض أنواع الطيور سعود المطيري