غيب الموت الشاعرة والكاتبة السعودية ثريا قابل، إحدى الأصوات النسائية المؤسسة في المشهد الثقافي السعودي، بعد رحلة مع المرض، تاركة وراءها تجربة إبداعية متفرّدة امتدت بين الشعر الغنائي، والعمل الصحفي، والمبادرة الثقافية الجريئة، في زمن كانت فيه الكلمة النسائية تُكتب بشقّ الأنفس وتُدافع عن حقها في الظهور. وُلدت ثريا محمد عبدالقادر قابل عام 1940م في مدينة جدة، بحي قابل في حارة المظلوم، أحد الأحياء التاريخية العريقة، ونشأت في "بيت قابل" المعروف، ضمن أسرة تجارية، فيما كانت والدتها تركية تُدعى خيرية، التقاها والدها في إسطنبول وتزوجها هناك. رافقت ثريا أسرتها إلى لبنان أثناء رحلة علاج والدها من مرض السل، ورغم وفاته عام 1958، واصلت تعليمها هناك، وتخرجت في الكلية الأهلية الثانوية في بيروت، لتتشكل في تلك المرحلة ملامح وعيها المبكر، وتنفتح تجربتها على فضاء ثقافي أوسع، سيترك أثره الواضح في مسيرتها الأدبية لاحقًا. وفي عمر الثالثة والعشرين، أصدرت ديوانها الأول "الأوزان الباكية" الذي واجه المنع في بداياته، قبل أن يُجيزه الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - ويأمر بطباعته وتداوله، فصدر في لبنان عام 1963، في محطة مفصلية كرست حضورها الأدبي المبكر، ورسخت اسمها بوصفها أول شاعرة سعودية تنشر باسمها الصريح. وعُرفت الراحلة بلقب "شاعرة الحجاز" حيث شكلت الكلمة المغناة المساحة الأوسع في تجربتها، وتحولت قصائدها إلى جزء من الذاكرة السمعية العربية. وكان الفنان الراحل طلال مداح أول من قدّم كلماتها بصوته في أغنية «بشويش عاتبني بشويش» من ألحان محمد شفيق، لتكون بداية مسيرة غنائية طويلة ومؤثرة. وتعاونت ثريا قابل مع عدد من أبرز الأصوات الغنائية، من بينهم محمد عبده، وعتاب التي ارتبط اسمها بأغنية «جاني الأسمر جاني»، وهي من الأعمال التي نقلت المفردة الحجازية إلى فضاء عربي واسع، لتصبح إحدى أيقونات الغناء العربي. كما غنّى لها الفنان كاظم الساهر أغنية «يا راعي الود» عام 2014، إلى جانب تعاونها مع فوزي محسون، وتوحة، وابتسام لطفي، وغيرهم من الأصوات التي شكّلت وجدان الأغنية السعودية. ومن أبرز أعمالها المغناة.. «من بعد مزح ولعب»، «بشويش عاتبني بشويش»، "جاني الأسمر جاني"، «تمنيت من الله»، «مين فتن بيني وبينك»، «واحشني زمانك»، و«يا راعي الود»، "ياراعي الودّ"، وغيرها الكثير من الأعمال الخالدة، التي فسرت حكايات حاراة جدة، وأزقتها ورواشينها وأحاديث الناس وسلوكهم وعاطفتهم الجياشة نحو الحياة. وبلا شك، كان لها الأثر في المجال الصحفي، حيث كان لثريا قابل حضور لافت، إذ عملت في عدد من الصحف والمجلات، وتولت رئاسة تحرير مجلة «زينة» خلال الفترة من 1986 إلى 1987، كما عملت في جريدة البلاد، وأسست أول ملحق نسائي فيها بعنوان «النصف الحلو»، الذي أثار حينها نقاشًا واسعًا حول قضايا المرأة، وأسهم في توسيع حضور الصوت النسائي في الصحافة السعودية. وخلال مسيرتها، نالت الراحلة عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة رواد المجتمع السعودي عام 2002، وتكريم المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) عام 2005، إضافة إلى وسام أرزة لبنان، تقديرًا لإسهاماتها الشعرية ودورها الثقافي. برحيل ثريا قابل، تخسر الثقافة السعودية اسمًا ارتبط بالكلمة الجريئة، وبالأغنية التي صاغت وجدان جيل، وبمسار فتح الطريق أمام حضور نسائي أكثر اتساعًا في المشهد الأدبي والإعلامي، فيما يبقى أثرها شاهدًا على أن القصيدة لا تغيب، وإن غاب صاحبها.