حين نتأمّل العربية في تراثها النحوي ندرك أنها لم تنظر إلى اللغة بوصفها تراكيب صامتة، فليست العربية نظامًا لغويًا يُختزل في قواعد تركيبية، ولا بنية شكلية تُفهم بمعزل عن مقاصد الاستعمال، بل هي نسق تتشابك فيه المستويات تركيبيًّا ودلاليًّا وتداوليًّا. وقد وعى النحاة الأوائل -وإن اختلفت مصطلحاتهم ومفاهيمهم- أنّ القول اللغوي لا يُدرَك إدراكًا تامًا إلا إذا نُظر إليه في علاقته بالمتكلم وبالقصد وبالسياق. ومن هنا تتبدّى أهمية التمييز بين مفاهيم مثل الجملة والكلام والقول لا بوصفها فُروقًا لفظية، بل باعتبارها فُروقًا منهجية تعكس مستويات تحليلٍ مُتمايزة. وحتى لا أذهب بعيدًا وأُحمِّل نُصوصًا ما لا تحتمل فإنّ المدرسة النحوية العربية تنظر إلى الجملة بوصفها بناءً تركيبيًّا يقوم على العلاقات الإعرابية بين العامل والمعمول، ويتحدّد معناه في إطار الوظائف النحوية من فاعلية ومفعولية وابتداء وإضافة ونسبة. فالجملة -بهذا المعنى- كيانٌ مجرّد يُدرس مستقلًا عن ظروف الاستعمال، ويُفهم من خلال انتظام أجزائه في نسق نحوي مخصوص. وقد مكّن هذا التصوّر النحاةَ من ردّ تنوُّع البنى إلى أصولٍ تركيبيةٍ جامعة يُحتكم فيها إلى مبدأ العمل والإسناد، وإلى استقلال العامل أو تبعيّته. ومن هنا نشأت مباحثُ دقيقة كتمييز الإسناد الأصلي من غير الأصلي، والفرق بين الاستقلال التركيبي والاستقلال الدلالي، وهي مباحث تؤكّد أن الجملة ليست مجرّد تجمُّع لفظي، بل نظامٌ من العلاقات. وإذا كانت الجملة تُفهم بوصفها تركيبًا، فإن الكلام يتجاوز هذا الحد؛ إذ لا يكفي فيه صحة التركيب، بل يُشترط فيه الإفادة والقصد. فالكلام عند جمهور النحاة هو ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها، وهو بذلك مشروط بتحقق معنى يُدركه المخاطَب، لا بمجرد تمام البناء الإعرابي؛ حيث الإعراب فرع المعنى. ويكشف هذا التمييز عن وعي مبكر بأن البنية وحدها لا تنتج المعنى، وأنّ الجملة قد تكون صحيحة تركيبًا لكنها غير كلام إذا خلت من قصد الإفادة. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين تصوّر الجملة باعتبارها نموذجًا بنيويًّا، وتصوّر الكلام باعتباره حدثًا لغويًّا مُرتبطًا بالسياق والمُتكلّم والمُتلقي. أما القول، فهو أوسع المفاهيم وأقلّها انحصارًا في البنية؛ إذ قد يكون كلامًا وقد لا يكون، وقد يصدق عليه التركيب دون أن يتحقق فيه القصد. وقد تنبّه النحاة إلى هذا الفرق عند حديثهم عن حكاية القول والأصوات والنداء والتنبيه والتعجب، وهي صيغ تؤدَّى فيها أفعال لغوية دون أن تستوفي شروط الكلام التام. ويُتيح هذا التصوُّر الربط بين النحو العربي ومباحث التداولية، فالقول -بوصفه فعلًا- يقترب إلى حدٍّ ما من فكرة الأفعال الكلامية وفق المنظور الحديث، وإن كان لا يتطابق معها بدقّة في عبارتها المفاهيميّة؛ حيث لا يكون المقصود مجرّد الإخبار، بل الإنجاز والتأثير والتوجيه. ومن زاوية أخرى يتّضح من تراث النحاة أنّ القصد هو الحدّ الفاصل بين الجملة والكلام. فحيث يتحقق القصد تتحقق الإفادة، وحيث ينتفي القصد يبقى التركيب حبيس بنيته. وقد بنوا على هذا الأساس تفسيرهم لإخراج بعض التراكيب -كالشرط والقسم- من باب الكلام في بعض المواضع، لا لخللٍ في تركيبها، بل لتعليق إفادتها على غيرها. وربما عكس ذلك إدراكًا تداوليًّا لمفهوم المعنى بوصفه ناتجًا عن التفاعل بين البنية والسياق وليس عن البنية وحدها. ومن هنا يتبيّن أنّ النحو العربي في جوهره لم يكن نحوًا شكليًا صِرفًا، بل كان مشروعًا معرفيًا يتقاطع فيه التركيب (الشكل) مع الدلالة (المحتوى القضوي) ومع التداولية (الاستعمال). فالعامل النحوي ليس مجرَّد أداة إعراب، بل إنّه وسيط دلالي. والوظيفة النحوية لا تنفصل عن القيمة التداولية للقول. وعليه، فإنّ الفصل الحاد بين النحو والدلالة والتداولية في الدرس النحوي العربي هو فصل طارئ فرضه التوسّع المنهجي. إذ ثمّة إرهاصاتُ تمايز في التراث النحوي بين هذه المستويات وإن بدت في صورة تكاملية من حيث المفهوم يستوعبها التفكير النحوي مجتمعةً. لذا فإنّ إعادة قراءة مفاهيم الجملة والكلام والقول في التراث النحوي تكشف عن عمق نظر علماء العربية في فهم الظاهرة اللغوية، وعن استيعابهم المبكر في استبصار العلاقة بين التركيب والدلالة والتداولية. فالدرس النحوي ليس بنية فحسب، ولا معنى مجرد، بل يتداخل فيه النظام مع القصد، والنحو مع البلاغة، والدلالة مع الضمني، وهم وإن لم يُصرِّحوا بهذا التزايل علانيةً -إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّها مصطلحات حديثة تحمل مفاهيم محدّدة- غير أنّهم استوعبوه إلى حدٍّ ما. ومع ذلك يبدو من التغوّل أيضًا الجزم بالتطابق المفاهيمي التام بين الدرس النحوي أو البلاغي وبين الفعل الكلامي، غير أنّ ما يطفو على السطح يشي بشيءٍ من التقاطعات والتداخلات المفاهيميّة التي يُمكن من خلالها تقديم فكرة تداولية عُموميّة. ومن هنا تتأكَّد الحاجة إلى مقاربة دقيقة تُعيد للعربية وحدتها المعرفية، وتستثمر تراثها في ضوء أسئلة اللسانيات الحديثة لا بالقطيعة معها أو بالعزلة عنها.