يشكّل دليل مسار الشمال السياحي إضافة نوعية للمشهد السياحي في المملكة، حيث يجمع بين مجموعة واسعة من المدن والمحافظات التي تمتد من الرياض وصولًا إلى قلب القصيم، مرورًا بمحطات غنية بالتراث والثقافة والطبيعة. ويهدف الدليل إلى تقديم تجربة سياحية متكاملة تربط الزائر بتاريخ المنطقة وعمقها الحضاري، مع إبراز التنوع الجغرافي والإنساني الذي يميز هذا المسار الحيوي. ويأتي إطلاق دليل مسار الشمال السياحي في إطار الجهود الوطنية لتعزيز السياحة الداخلية، ورفع جودة التجربة السياحية، ودعم المجتمعات المحلية عبر تنشيط الحركة الاقتصادية في المدن والمحافظات الواقعة على المسار. كما يسهم الدليل في تسهيل تخطيط الرحلات للعائلات والزوار، من خلال توفير معلومات دقيقة حول الوجهات، والأنشطة، والمواقع التراثية، والمرافق السياحية. وينطلق المسار من مدينة الرياض، العاصمة التي تجمع بين الحداثة والتاريخ، وتضم مواقع تراثية وثقافية ومتاحف وأسواقًا تقليدية تعكس روح المكان. ومن الرياض يتجه المسار نحو القصب وشقراء والمجمعة وحرمة والزلفي، وهي مدن ومحافظات تحمل إرثًا نجديًا أصيلًا، وتضم قرى تراثية وأسواقًا قديمة ومواقع تاريخية لعبت دورًا مهمًا في طرق القوافل القديمة، إضافة إلى طبيعة صحراوية وجبلية تمنح الزائر تجربة فريدة؛ كما أن جلاجل وثادق وحريملاء ورغبة تتطلع لأن تكون ضمن المسار بما تحويه من مكونات طبيعية وسياحية واعدة. ويواصل المسار رحلته نحو منطقة القصيم، حيث المذنب وعنيزة وبريدة والبكيرية والرس، وهي مدن تشتهر بواحاتها الزراعية، وبيوتها الطينية، ومهرجاناتها الموسمية، ومراكزها الثقافية التي تعكس عمق المنطقة الحضاري. وتُعد هذه المحطات من أبرز الوجهات التي تجمع بين التراث والضيافة الأصيلة والأنشطة السياحية المتنوعة. وفي سياق هذا التنوع، تبرز محافظة مرات كإحدى أهم المحطات التاريخية على مسار الشمال السياحي، إذ تحتضن آثارًا تمتد لقرون طويلة ولا تزال شامخة حتى اليوم، ما يجعلها وجهة ثرية لعشاق التاريخ والتراث النجدي الأصيل. ففي البلدة القديمة ما زالت "بئر الوليدي" المنسوبة إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد –رضي الله عنه– قائمة وتحظى بعناية خاصة من الأهالي والجهات المختصة، حيث شهدت مؤخرًا أعمال ترميم شاملة نفذتها بلدية المحافظة وجمعية التنمية الاجتماعية. وعلى بُعد نحو مائة متر فقط من البئر يقع المعلم التراثي الشهير "غدير كميت" أو ما يعرف محليًا ب"الجفرة" و"بركة مرات"، والذي يُرجح أنها إحدى البرك التي حفرت في العصر العباسي لخدمة طريق الحج، وفقاً للباحث عبدالله بن عبدالعزيز الضويحي في كتابه عن طرق القوافل. وقد أعادت جمعية التنمية ترميم الغدير وبناء سوره وبرجه الملاصق بدعم كريم من رجل الأعمال محمد بن سليمان السليم، في خطوة أسهمت في إعادة إحياء هذا المعلم التاريخي. كما شمل الاهتمام التراثي مشروع "بزبوز الشريقي"، أحد صنابير المياه الأربعة التي كانت تغذي البلدة القديمة من بئر الطبيشية التي أمر الملك عبدالعزيز –رحمه الله– بحفرها وجعلها وقفًا لسقيا أهالي مرات، ليبقى هذا الإرث شاهدًا على عمق تاريخ المحافظة وارتباطها بمسارات الحج والتجارة القديمة؛ وتبين حرص المؤسس -رحمه الله- على حجاج بيت الله الحرام ومواطنيه. وكي يضم المسار السياحي كذلك محطات تاريخية أخرى مثل: ثرمدا، وأُثيثيه، وغَسْلَة، والوقف والفرعة، وهي مواقع ترتبط بطرق التجارة القديمة، وتتميز بعمارتها النجدية الأصيلة ومواقعها الطبيعية التي تجذب عشاق التراث والرحلات البرية. وتشكّل هذه القرى والمحافظات جزءًا مهمًا من الهوية النجدية التي يسعى الدليل إلى إبرازها وتقديمها للزوار بأسلوب حديث وسهل الاستخدام. ويمثل هذا المسار خطوة مهمة نحو تعزيز مكانة المملكة كوجهة سياحية متنوعة، تجمع بين التاريخ والطبيعة والضيافة الأصيلة. كما يعكس التزام المملكة بتطوير الوجهات السياحية وتقديم تجارب غنية ومتنوعة للزوار من داخل المملكة وخارجها، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 في تنمية القطاع السياحي ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني. محمد بن عبدالله الحسيني