في تداول 30 يناير الماضي، انخفض سعر الذهب بشكل حاد، حيث تراجعت العقود الآجلة في فبراير بنسبة 8 ٪ مقارنة بأعلى مستوى لها في اليوم السابق عند 5615 دولارا للأونصة، ولكن على الرغم من هذا الانخفاض،، فإن الذهب سجل أكبر مكاسب شهرية له منذ عام 1999، بعد أن وصل إلى مستويات قياسية على الإطلاق. فمنذ بداية هذا العام 2026، وتحديداً منذ 28 يناير، ارتفعت أسعار عقود الذهب الآجلة حتى فبراير بنسبة 20 ٪. وهذا الارتفاع في سعر الذهب له عدة أسباب. فهناك عدم الاستقرار السياسي، وهنا تدخل جرينلاند المتنازع عليها، واتساع الفجوة بين أمريكا وأوروبا، والحرب الأوكرانية- الروسية، والتطورات حول ايران وغيرها. ولكن العوامل الاقتصادية هي الدافع الرئيسي لهذا الارتفاع. فأولاً، هناك العودة إلى أجواء الحماية وارتفاع التعرفات الجمركية، الأمر الذي أدى إلى تراجع نمو التجارة العالمية من 4 % في 2024 إلى 2.5 % في 2025. الأمر الذي أدى تقلص معدل نمو العائدات التي تحصل عليها البلدان مما تصدره. وهكذا وجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام تحديات خطيرة ساهمت في بطء الإنتاجية وانخفاض الاستثمارات وارتفاع الديون العالمية إلى 346 تريليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الذي وصل عام 2025 إلى 110 تريليون دولار. أما الدين العام العالمي فمن المتوقع أن يصل إلى 100 تريليون دولار. وفي ظل هذا الخلل الهيكلي في الاقتصاد العالمي، تقبل البنوك المركزية على شراء الذهب وتعزيز احتياطاتها منه على حساب العملات الورقية. فبنك الشعب الصيني، مستمر في عمليات الشراء الشهرية المنتظمة، والتي تتراوح بين 10-20 طنا شهريا. ولهذا تعتبر الصين أكبر مشتري خلال عام 2025. كذلك فإن البنك المركزي التركي والهندي والبنوك المركزية في الدول المنتجة للنفط تقوم هي الأخرى، بعمليات شراء واسعة، نتيجة انعدام الاستقرار المالي في العالم. ولذا بلغت القيمة الإجمالية لاحتياطيات الذهب في البنوك المركزية بحلول نهاية ديسمبر 2025 حوالي 4 تريليون دولار. من ناحية أخرى، فإن الطلب المتزايد على هذا المعدن الثمين لا يقابله عرض مماثل. فالراغبون في بيع ذهبهم ليس كثيرون. والعروض المطروحة من بعض البنوك المركزية مثل هولندا وبلجيكا وأستراليا وغيرها لا تضاهي حمى الطلب العالمي، فالغالبية العظمى أما تعزز احتياطاتها من الذهب، أو تنتظر مزيداً من ارتفاع الأسعار من أجل تعظيم المكاسب. إن ما شهدناه بداية هذا الشهر من تراجع لسعر الذهب، قد يكون بداية لإعادة ضبط أسعار هذا المعدن الثمين. فارتفاع الأسعار ربما تؤدي إلى التخفيف من حمى الطلب، وانخفاض أسعاره بنسبة 15 ٪ أو أكثر. ولكن، هذا لا ينفي احتمال تشكل فقاعة في المستقبل، شبيهة بفقاعات الذهب الأسود بين الحين والأخر، نتيجة جشع المضاربين.