لم يكن ظهور الشعر الحر في الثقافة العربية مجرّد تحوّل شكلي في بنية القصيدة، بل كان إعلانًا عن مرحلة جديدة من الصراع بين الموروث والتجديد، بين سلطة الإيقاع القديم وقلق التعبير الحديث. ومنذ اللحظة الأولى، انقسم النقاد بين من رأى فيه ضرورة فنية فرضها العصر، ومن اعتبره خروجًا عن جوهر الشعر العربي وتهديدًا لهويته التاريخية. هذا الجدل لم يكن عابرًا، بل تحوّل إلى واحدة من أكثر القضايا النقدية حضورًا في الصحافة الثقافية العربية، وظل يتجدّد مع كل تجربة شعرية جديدة، ومع كل محاولة لإعادة تعريف الشعر وحدوده. الظهور والتحوّل جاء الشعر الحر في مرحلة تاريخية حسّاسة، ترافقت مع تحولات فكرية وسياسية كبرى، وشعور عام بالانكسار والقلق الوجودي. وجد الشعراء أنفسهم أمام واقع لا يشبه ما كتبه الأقدمون، ولا ما عبّرت عنه القوالب الكلاسيكية، فبدأ البحث عن شكل شعري أكثر قدرة على احتواء الأسئلة الجديدة. في هذا السياق، ظهرت قصيدة التفعيلة بوصفها حلًا وسطًا بين القطيعة الكاملة مع التراث، والالتزام الصارم بالعمود الشعري. حافظت على الوزن، لكنها كسرت نظام الشطرين، وحرّرت القافية، مما أحدث صدمة في الذائقة النقدية العربية، وأثار مخاوف حقيقية من أن يكون هذا الشكل بداية لتفكيك الشعر ذاته. القبول المشروط تُعدّ نازك الملائكة واحدة من أوائل الأصوات التي ارتبط اسمها بالشعر الحر، لكنها في الوقت ذاته كانت من أكثر النقاد حذرًا في الدفاع عنه. فقد أكدت أن قصيدة التفعيلة ليست فوضى إيقاعية، ولا خروجًا على علم العروض، بل تطورًا منضبطًا له قوانينه الخاصة. رأت نازك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الشعر الحر نفسه، بل في إساءة استخدامه، حين يتحوّل إلى نثر بلا موسيقى ولا توتر شعري. لذلك شدّدت على ضرورة الالتزام بالتفعيلة، وبالإيقاع الداخلي، معتبرة أن التفريط في الموسيقى يفرغ القصيدة من جوهرها. هذا الموقف الوسطي جعلها تقف في منطقة فاصلة بين القبول والرفض، مدافعة عن التجديد، لكن ضمن حدود فنية صارمة. التشكيل الشعري أما الناقد عبدالعزيز المقالح، فقد نظر إلى الشعر الحر من زاوية أكثر شمولًا، رافضًا اختزال الجدل في مسألة الوزن والقافية. بالنسبة له، لا يكمن جوهر الأزمة في الشكل الشعري، بل في مستوى التجربة الإبداعية ذاتها. فالشعر، كما يرى، لا يُقاس بنظامه العروضي، بل بقدرته على إنتاج الدهشة، وخلق لغة قادرة على النفاذ إلى عمق التجربة الإنسانية. أكّد المقالح أن القصيدة العمودية قادرة على التجدد، كما أن الشعر الحر قد يفشل إذا فقد شروطه الفنية. هذا الطرح أعاد توجيه النقاش من ثنائية القبول والرفض إلى سؤال الجودة، وفتح المجال للتعايش بين الأشكال الشعرية بدل الصراع بينها. لغة الإنسان من زاوية مختلفة، تعامل الشاعر والناقد نزار قباني مع الشعر الحر بوصفه لغة العصر، وصوت الإنسان البسيط الذي يريد شعرًا قريبًا من حياته اليومية. لم يكن قباني معنيًا كثيرًا بالتصنيفات الشكلية، بقدر ما كان منحازًا إلى وضوح اللغة وحرارتها وقدرتها على التواصل. رأى أن الجمود في الشكل قد يعزل الشعر عن جمهوره، وأن الشعر الحر ساعد على إعادة القصيدة إلى الشارع والإنسان العادي. ومع ذلك، لم يكن قباني من دعاة الفوضى النصية، بل ظل حريصًا على الموسيقى الداخلية والصورة الشعرية، مؤكدًا أن الحرية لا تعني التفريط في الجمال. القطيعة الواعية في الطرف الأكثر جذرية، يقف أدونيس، الذي رأى في الشعر الحر خطوة أولى نحو إعادة بناء القصيدة العربية من جذورها. لم يتعامل مع العمود الشعري بوصفه قالبًا مقدسًا، بل بوصفه نتاجًا تاريخيًا مرتبطًا بمرحلة معينة. لذلك دعا إلى تجاوز الأشكال التقليدية، وفتح الشعر على آفاق جديدة من الرؤيا والتجريب. اعتبر أدونيس أن التمسك الأعمى بالوزن قد يحوّل الشعر إلى تكرار شكلي، وأن الحداثة الشعرية لا تتحقق إلا بإعادة النظر في البنية، واللغة، والرؤية معًا. هذا الطرح، رغم تأثيره الكبير، ظل مثيرًا للجدل، واتُّهم أحيانًا بأنه يبتعد بالشعر عن جمهوره، ويغرق في النخبوية. الرفض الكلاسيكي في معسكر الرفض، يُستحضر موقف مصطفى صادق الرافعي بوصفه نموذجًا للدفاع الصارم عن عمود الشعر. فقد رأى أن الوزن هو الفاصل الحقيقي بين الشعر والنثر، وأن التفريط فيه يعني فقدان هوية الشعر العربي. ورغم أن الرافعي سبق ظهور الشعر الحر بشكله المعروف، فإن مواقفه النقدية ظلّت مرجعًا للرافضين الذين وجدوا فيها سندًا فكريًا للحفاظ على التراث. هذا الاتجاه يرى أن المشكلة ليست في القالب العمودي، بل في ضعف التجربة الشعرية الحديثة، وأن الحل لا يكمن في كسر الوزن، بل في الارتقاء باللغة والصورة داخل الإطار التقليدي. الاتهام والتجربة اتُّهم الشعر الحر مرارًا بأنه وافد من الغرب، ولا يمتّ بصلة حقيقية إلى البيئة العربية. غير أن هذا الاتهام يتجاهل حقيقة أن الثقافة العربية نفسها قامت عبر تاريخها على التفاعل والأخذ والعطاء. فالشعر الحر، رغم تأثره بالتجارب العالمية، ظل مرتبطًا باللغة العربية وإيقاعها، ولم يكن نسخة مستنسخة من نماذج أجنبية. كما أن التجربة أثبتت أن كثيرًا من الشعراء كتبوا العمودي والحر معًا، دون أن يشعروا بتناقض، مما يؤكد أن الإبداع لا يعترف بالحدود الصارمة، بل ينحاز إلى ما يخدم التجربة الشعرية. إشكالية النخبوية ظل الشعر الحر يواجه إشكالية التلقي، خاصة لدى القارئ غير المتخصص. فغياب القافية الموحدة، وكسر الإيقاع المألوف، جعلا بعض النصوص تبدو عصية على الفهم. هذا الأمر دفع بعض النقاد إلى القول إن الشعر الحر أسهم في توسيع الفجوة بين الشعر والجمهور. في المقابل، يرى مؤيدوه أن هذه الفجوة ليست ناتجة عن الشكل وحده، بل عن ضعف الثقافة الشعرية عمومًا، وأن القارئ يحتاج إلى وقت للتكيف مع الأشكال الجديدة، كما حدث في كل تحوّل فني كبير. في الختام، وبعد عقود من الجدل، لم يعد السؤال المطروح: هل الشعر الحر شعر أم لا؟ بل أصبح: أي شعر نريد؟ فالتجربة أثبتت أن لا العمود الشعري انتهى، ولا الشعر الحر انتصر نهائيًا. كلاهما موجود، وكلاهما قابل للإبداع أو السقوط. يبقى الشعر الحر تجربة مفتوحة، لا تُحسم بالرفض المطلق ولا بالقبول الأعمى، بل بالنصوص القادرة على الحياة. فالشعر، في النهاية، لا يدافع عن نفسه بالنظريات، بل بالقصائد التي تبقى، مهما اختلف شكلها.