تظلُّ الحقيقةُ في جوهرها عصيّة على التصدّع، لكنّها المشاعر.. ذلك المركّبُ الكيميائي الخفيّ الذي يعبث بالدماغ والروح معًا، فيُعيد تشكيل الحقيقة في تمظهراتٍ شتّى. إنّها ضربٌ من مقاومة الاكتمال الذي لا يعني قصور الحقيقة، بل يعني أنّ الإنسان -حامل السؤال- كائنٌ مشحونٌ بالمشاعر. فما نراه اليوم حقيقةً، قد نراه غدًا بصورة مغايرة، لا لأن الواقع تبدّل، بل لأن قلوبنا أعادت ترتيب الضوء والظل من جديد. ويا للمفارقة! فلربّما عملت المشاعر على تشويه الحقيقة، لكنّ تفكيرنا الرغبوي يظلّ يريد لهذه الحقيقة أحيانًا أن تبقى مشوّهة كي يعيش طمأنينة البال والاتساق الداخلي. فبين الحبّ والبغض وبين الفرح والحزن لا تتبدّل الوقائعُ، بل تتبدّل زوايا النظر إليها وتتبدّل رغبتنا في اختيار المنظور أو الزاوية، وكأنّ الحقيقة مرآة تعكس ما نحمله في دواخلنا، وليس جوهرها المتعالي. فنحن لا نرى العالم كما هو، بل كما تسمح لنا مشاعرنا أن نراه. منذ القدم أدرك الفلاسفة أنّ ما نُسمّيه "حقيقة" لا يصل إلينا عاريًا؛ حيث تنامى هذا المفهوم تحت طائل هجمات نظريات ما بعد الحداثة، فالإنسان لا يلتقط الواقع كما هو، بل كما تسمح له أدواته الإدراكية وافتراضاته المسبقة أن يلتقطه. يرى كانط أنّ الأشياء لا تُدرَك في ذاتها، بل عبر قوالب العقل وصوره القَبلية كالزمان والمكان والسببية. فالحقيقة التي نعيشها ما هي إلا حقيقةٌ مغربلة وملطّخة بلون القلب قبل لون العين. فالعقل الذي ظنّ نفسه محايدًا يكتشف أنّه يعمل دائمًا في حضرة الشعور وإن تزيّا بثوب الموضوعية. لقد نبّه كانط مبكّرًا إلى هذا الانكسار الخفي بين الشيء كما هو (الحقيقة النومينيّة)، والشيء كما يظهر لنا، غير أنّ المشاعر وإن لم تكن عنده أدوات معرفة بالمعنى الدقيق، فإنها تُرافق الحكم وتؤثّر في ميله واتجاهه، فتغدو الحقيقة أقرب إلى "معقولٍ محسوس" لا إلى موضوعٍ رياضيٍّ محايد. وهكذا يظل الادّعاء بصفاء المعرفة ادّعاءً أخلاقيًّا أكثر منه وصفًا واقعيًّا. غير أنّ هوسرل يقلب المعادلة من الخارج إلى الداخل؛ فالحقيقة عنده ليست سوى ما يُوهب للوعي في تجربة حيّة. حيث الوعي في جوهره قصدٌ وانفعال، والتفاتٌ مشبعٌ بالدلالة. وكأنّ المشاعر هنا ليست تشويشًا على الحقيقة، بل شرطًا لظهورها. ومن دونها يُصبح العالم صامتًا بلا معنى وبلا صلة، فنحن لا نرى الشيء فقط، بل نراه بوصفه محبوبًا أو مكروهًا، وربما مُقلقًا أو مطمئنًا. وهكذا يغدو الفصل التام بين الشعور والمعرفة ضربًا من الوهم المنهجي. ومع هايدجر تتّخذ المسألة أفقًا أعمق؛ فالحقيقة ليست مجرد تطابق بين الذهن والواقع، بل هي كشفٌ للحجاب عن الموجود الذي يحدث في سياق "الوجود في العالم". والمشاعر هنا ليست عارضًا هامشيًّا، بل طريقة من طرق ذلك الانكشاف، وكل شعور يفتح لنا عالمًا مخصوصًا إنّما يُغلق في الوقت ذاته عوالم أخرى، فتتشكّل الحقيقة بحسب نمط وجودنا. أمّا دريدا فيدفع الشك خطوة أبعد؛ إذ الحقيقة في نظره مؤجَّلة تتشكّل داخل شبكة لا نهائية لمعانٍ غير مستقرّة. وبهذا المعنى فالمشاعر تُعيد إنتاج الحقيقة باستمرار، وتُرجئ اكتمالها إلى ما لا نهاية. فيغدو الحديث عن حقيقةٍ معزولة حديثًا عن وهمٍ ميتافيزيقيٍّ قديم. أمّا لدى فوكو فتفقد الحقيقةُ براءتها، فهو لا يسأل: هل هذا القول حقيقة؟ وإنّما يسأل: من الذي سمح لهذا القول أن يكونحقيقة؟ فالحقيقة في نظره ليست ما نصل إليه بعد تزايل المشاعر، بل نتاجُ ممارساتٍ خطابية تتشكّل داخل علاقات سلطويّة. فهي لديه لا تُفصل عن المؤسسات. وهنا لا تكون المشاعر مجرد انفعالات فردية تُلوّن إدراكنا، بل عناصر تُصاغ اجتماعيًا داخل الخطاب نفسه. وكأنّه يقول: لا سلطة بلا إنتاج للحقيقة، ولا حقيقة خارج نطاق علاقات السلطة. إذ السلطة هي ما يضطلع بتلوين المشاعر. فالحقيقة لديه ليست مرآة للواقع بل أداة لإدارته. ومؤدّى ذلك كله يكمن في استحالة فهم الحقيقة خارج الإنسان، واستحالة فهم الإنسان خارج مشاعره. فمن يزعم امتلاك حقيقة محضة قد نسي أنّه يراها من موقعٍ محدّد، وفي زمانٍ بعينه، وفي حالةٍ وجدانية لا تنفصل عن حكمه. إذن ليست المشكلة في أنّ المشاعر تُفسد الحقيقة، بل في أنّنا نجهل دورها ثم ندّعي الحياد. ولعلّ النضج الفلسفي لا يكمن في نزع المشاعر عن الحقيقة وإنّما في الوعي بالمشاعر التي تتلبسها، فنحن نعرف أنّ حبّنا قد يجعلنا نُفرط في التبرير، وأنّ بغضنا قد يجعلنا نُمعن في الإدانة، وأنّ خوفنا قد يُقزّم الممكن، وأنّ أملنا قد يوسّعه أكثر مما يحتمل. وعندها فقط نقترب من مواضعةٍ معرفيٍّة ندرك بها أنّنا كائناتٌ عاطفية قبل أن نكون عاقلة، حيث تكمن في هذا العجز إنسانيتنا المأساوية والمبهرة. وعليه فهذا النضج لا يكمن في إقصاء المشاعر، بل في مساءلتها وهي تشارك في صنع أحكامنا. وحين ندرك أنّ الحقيقة لا تظهر لنا إلا ملوّنة، نكفّ عن ادّعاء امتلاكها، ونكتفي بمحاورتها؛ إذ لا ينبغي أن نُعلن القطيعة مع العقل، بل أن نتصالح معه.. عقلٌ يعرف حدوده، ويُدرك أنّ الطريق إلى الحقيقة لدى الكائن البشري يمرّ دائمًا عبر القلب شاء أم أبى.